الجمعة، 2 يناير 2015

مصر فى محطة الشهدا

عجيبةٌ هى الحياة بكثرة اختلافاتها، ومزيج مكوناتها، تحوى فى داخلها الكثير لتخلق لك فى النهاية عالما متجانسا متباين الأشكال والألوان والأذواق، ولا تعرف كيف تفعلها، ولكنك تفعل، فها أنت الآن تمشى فى ذلك الشارع المحفوف بالأشجار والخضرة، تزينه مجموعة من أفخم المحال والمقاهى فتعطيه لمسةً من الأناقة والرقى، لتخرج منه إلى شارعٍ أكثر ضيقا، يعج بالزحام والفوضى، وسائقى التاكسى والميكروباصات والتكاتك، يحاوطونك من كل الجهات، يتربصون بكل من تطأ أقدامه خارج تلك البوابة الحديدية لعله يكون صاحب الحظ الملقب بالزبون.

كانت قد انتهت من دوام عملها فى الرابعة تقريبا قبل أن تتجه إلى محطة مترو المعادى، تدلف عبر تلك البوابات الحديدية، تتجه إلى شباك التذاكر لتخرج جنيها من جيبها وتتلقى فى المقابل تذكرة صفراء تجيز لها المرور عبر إحدى البوابات الالكترونية لتصل إلى رصيف المحطة، تصعد الدرج المؤدى إلى الجهة الأخرى " اتجاه حلوان-المرج "، كلها محطات يجب المرور بها قبل الوصول غلى المحطة المنشودة. تقف فى انتظار المترو، وإلى جوارها يقف عدد لا بأس به من الفتيات والسيدات تحت لافتة زرقاء تحمل كلمة " عربة السيدات "، وعلى الجانبين يقف صفا من الرجال والشباب، كلٌ يقف فى مكانه لا يتجاوز حدود منطقته المسموح بها.

تصل عربات المترو المحملة بأعداد ليست كثيرة من الركاب، تنفتح الأبواب لينزل مجموعات من الأشخاص ويحل أمكانهم آخرين.
هكذا هو الحال دائما، سلسلة من الإحلال والتبديل، فلا لأحد منا أن يستمر فى مكانه دون أن يأتى غيره ليحل فيه، تتبادل الأدوار مع غيرك ويتبادلون هم مع غيرهم، وهكذا، ننتقل من نقطة إلى اخرى ولا يبقى شئ على ما هو عليه.


تدخل إلى العربة، وتتلفت بحثا عن مقعد خال تجلس عليه فلا تجد، ورغم أن العربة لم تكن مكتظةً بعد إلا أن جميع الأماكن كانت مشغولة، تُطلَق صافرة التنبيه لتغلق بعدها الأبواب، وتبدأ العربات فى التحرك.
فى الجهة المقابلة لأحد الأبواب تجد بقعة شاغرة تستطيع أن تقف فيها مستندة بظهرها إلى الباب، ممسكةً بأحد العواميد، فلا تسقط فى حال ما إذا تم القيام بأى حركة مفاجئة.


لم تكن رحلة العودة قد بدأت بعد حتى يبدأ الباعة الجائلين فى التواجد بالداخل. كانت واحدة من تلك السيدات اللاتى وقفن إلى جوارها على رصيف المحطة، تحمل حقيبة كبيرة من الخوص معبأة بالكثير من الكتب المضروبة

" روايات أحمد مراد، معايا كل روايات أحمد مراد، معايا الفيل الأزرق، الفيل الأزرق يا جدعان، الكتاب ب 25 جنيه، 25 جنيه والنسخة أصلي وأرخص من السوق، قرب شوف روايات أحمد مراد "

هكذا كانت تنادى لتبدأ بعض الفتيات فى سؤالها عما تحمل من كتب أخرى، فتفتح لهن الحقيبة تاركة لهن الحرية للبحث فيها، هى لا تعرف ماذا تحمل من الكتب، ربما تكون لا تعرف حتى القراءة والكتابة، ولكنهم أخبروها أن أحمد مراد مشهور والفيل الأزرق هيبيع، فلا تكلف نفسها عناء سرد ما تحمل فى الحقيبة، المهم هو اختيار عامل الجذب والانتباه، أما البقية فتأتى بعد ذلك.
لم تكن إلا محطةً واحدة حتى رأيتها تنزل من الباب وعلى كتفها تلك الحقيبة، ربما تكون قد نالت مرادها، وربما لم تجد فائدة من المكوث بتلك العربة فقررت أن تعود مرة أخرى لتبدأ من جديد، وربما كان ذلك تنظيما مخطط له مسبقا، أن تركب من محطة المعادى خصيصا وتنزل فى المحطة التالية لتعود إليها وهكذا، تظل تدور فى تلك المحطة حتى تفرغ من مهمتها، فربما كانت هى تلك محطة المثقفين بالنسبة إليهم، نظرا لارتفاع المستوى المعيشى لسكانها مقارنة بالمناطق الأخرى، مما يسمح لهم بشراء الكتب وإخراج الأموال من جيوبهم لاقتنائها.


" نازلة؟ "
تربت إحدى الفتيات على كتفها فتقطع عليها حبل أفكارها، فتجيبها بالنفى، لتطلب منها أن تتحرك بعيدا عن الباب لتفسح مجالا لمن سينزل المحطة القادمة، تعجبت فى بادئ الأمر لتدرك بعدها أن الباب سيفتح من جهتها تلك المرة، فابتعدت قليلا حتى وصلت إلى محطة دار السلام، لتنزل تلك الفتاة وتركب أخريات يقمن باحتلال بقعتها التى كانت قد حجزتها لنفسها، ورغم ذلك استطاعت أن تتخلل بينهم لتعود إلى مكانها، أصبح الوضع أسوأ ولكنه أفضل من الوقوف فى المنتصف على كل حال.
وقفت ممسكة بذلك العامود المعدنى يقيها شر السقوط والاصطدام بمن حولها، ترفع رأسها قليلا تحاول أن تعد كم تبقى من المحطات حتى تصل إلى المحطة المنشودة. كان ينقصها تسع محطات، أى ما يقارب عشرين دقيقة تقريبا، لتصل إلى المحطة التالية.

تبدأ أعداد الوافدين فى ازدياد، وكلما ازداد العدد ازداد معهم البائعين والزحام والخناق، والوافدون من كل شكل ولون، إلا أن أغلبهم يتشابهون فى نظراتهم البائسة، وجوههم مكفهرة يغلب عليها طابع الحزن، مغلفةً بالأسى، وكأنهم يحملون فى داخلهم هموم الدنيا والآخرة، يحاولون التغاضى عنها بالحديث إلى بعضهم البعض، فتجد من تحكى أنها ذاهبة إلى المكان الفلانى لشراء شيئا ما، وأخرى تحكى عن زميلاتها وجيرانها، وتلك تحكى عن أى شئ لمجرد الانخراط فى حديث سيودى بهم جميعا إلى الحديث عن مشاكلهم، التى غالبا ما تكون واحدة.
تسمعهم يحكين عن غلاء الأسعار وانقطاع المياه والكهرباء باستمرار، يتكلمن عن زيادة أسعار تذاكر المترو التى لا يعرف أحد عنها أى شئ محدد حتى الآن، يتحدثن عن الكفتة واختراعات الجيش وعلاج الأمراض وفشل المنظومة الصحية برمتها، يشتكين ويسبنَّ ويلعنَّ، ثم تجد إحداهن تقول أن الوضع الحالى أفضل على أى حال، ستقول أن عهد السيسى أفضل من زمن الإخوان، لترد عليها أخرى بأن الوضع سئ على كل حال، وأن شباب الثورة هم من أضاعوا البلد وخربوها، فترد ثالثة بأن هؤلاء الشباب هم الذين ضاعوا وراحوا هباء، ومن هذه إلى تلك تتعالى الأصوات لتبدأ فى التراجع مرة أخرى، وكأن كل واحدة قد أخرجت ما فى داخلها من غضب حتى تهدأ، متمنيةً أن تمشى الدنيا على خير، داعيةً إن ربنا يسترها.


تمر المحطة تلو الأخرى، تنظر إلى أسماء المحطات متسائلة عما يوجد خلف السور لكل محطة منهم، فكلها أماكن لم تذهب إليها من قبل، تثير فضولها كلما اتخذت المترو وسيلةً لنقلها، ورغم ذلك لم تجرؤ يوما على النزول بها لمعرفة ماهيتها، ترى الركاب يرحلون ويصعدون، كل إلى وجهته، يعرفون متى يحين موعد نزولهم ومن أى جهة يكون، وكأنهم قد صاروا مُبَرمَجين  كواحدة من عربات المترو، تعرف المستجد منهم حين يسأل من أين يركب إلى أين يذهب، يبدو تائها، يكفيه فقط أن يقضى فترة فى ذلك المكان ليصبح بعدها أحد هؤلاء المحترفين.


ست محطات أخرى.
لا تزال تقف فى موقعها، متشبثة بعامودها، تترنح قليلا، ولكنها على الأقل لا تسقط، النازحون قليلون، والوافدون كثر، ما إن تفتح العربة حتى يتكالبن على الدخول قبل حتى أن تنزل من تريد منهن النزول، يتصارعن إلى الداخل فى محاولة للحاق بمكان يستطعن الوقوف فيه، ففى تلك المرحلة من الزحام "أوبشن" الجلوس لم يعد متاحا، المهم الآن أن تجد مكانا آدميا للوقوف، والشاطر من يظفر ببقعة بعيدة عن الحركة، باب تستند إليه، أو حتى عامود.
الغريب أن فى تلك المرحلة أيضا، كلما ازداد الزحام عم السكون، كل واحدة فى الملكوت الخاص بها، ربما تسمع بعض الهمهمات البسيطة ولكنها بالتأكيد ليست كسابقاتها، وكأن الإرهاق والتعب قد حل بهن فى وقت واحد، فآثرن الصمت على الحديث وإخراج ما فى مكنوناتهن، ففى النهاية ليس للحديث من قيمة تذكر غير أنه وجع دماغ ليس إلا.


وقفت تتأملهن فى صمت، تفكر فيما يخبئن من حكايا خلف تلك الوجوه العابسة، وإذا بصوت قادم من الوسط يقتطع ذلك الصمت قائلا 

" السلامو عليكو "

فلم يرد أحد، وكأنهن قد اتفقن جميعا على تجاهل مصدر الصوت، لتعاود مرة أخرى وبطريقة أكثر مرحا تخرجهن عن عبوسهن،

" أنا بقول السلامو عليكو "

يرد بعضهن التحية " وعليكم السلام "

شعرت بانتصار ولو طفيف بأنها جعلت البعض منهن يلتفتن إليها 

" أيوة كده . . . عايزة أقولكو على عرض النهاردة، شنطة كتاااان قماشها متين وبيستحمل، تشيلى فيها حاجة الطفل، تشيلى فيها المِيكاب بتاعك، وفيها كبسونة من قدام، شنطة كتان مش موجودة فى أى حتة، بقايا المستورد، وكل ده كله بخمسة جنيه بس، شنطة كتان آخر شياكة، ولو اتوسخت ارميها فى الغسالة، اللى عايزها ياخدها، واللى عاوز يشوفها ياخد فكرة يتفرج، يلا الحقوا العرض قبل ما يخلص "

أخذت تكرر تلك الجمل مرارا وتكرارا وكأنها شريط مسجل، لا تكل ولا تمل، تحمل روحا خفيفة استطاعت أن تجعل معظم من فى العربة إن لم يشترين منها تلك الشنطة أن يتفحصنها على الأقل، ولم تكن إلا دقائق حتى كانت قد فرغت من معظم ما تحمله فى حقيبتها من شنط، تصل إلى المحطة التالية لتنزل تاركةً خلفها عربة محملة بالفتيات والسيدات يحملن تلك الشنطة الكتان.
كانت بارعة حقا، وكيف لا وقد استطاعت أن تبيع بضاعتها فى وقتٍ قياسى، جعلت كل من اشترت منها تشعر بأنها صاحبة المكسب من تلك الصفقة، فهى الآن تحمل حقيبة يد وبخمسة جنيهات فقط، وهنا يكمن سر التجارة الناجحة، أن تُشعر من أمامك أنه الفائز وأنك سوف تضحى من أجله، فى سبيل أن يكون مبسوط.


" قلم الكحل اللى بعشرة جنيه، انهردة معانا بخمسة، والتلاتة بعشرة، قلم الكحل الألمانى الأصلى، مش بيسيح وبيفضل معاكى طول اليوم، فيه منه كل الألوان، قلم الكحل الألمانى معانا بخمسة جنيه "
لتأتى زميلتها فى العمل وتتخالط أصواتهما معا حتى تكاد لا تميز أيهما تبيع أى البضاعتين " قلم الروج السحرى معانا بخمسة، قلم الروج بيفضل معاكى طول اليوم، انتهزى الفرصة قبل ما يخلص "
 تتحدث كل منهما بنفس الطريقة، يتبادلن الأدوار، ولكن يبدو أن الحظ لم يحالفهما كثيرا كسابقتهما، هل لأن حاجة الفتيات إلى قلم الكحل والروج ليست كحاجتهم لتلك الحقيبة، أم لأن هيئتهما ليست مقنعة بما فيه الكفاية، فوجههما الباهت يشير إلى ذلك، لا يحمل أيا من علامات التبرج، فإن كان لا يسيح حقا فلماذا لا تضعن منه أثناء العمل، كنوع من أنواع الدعاية على الأقل.


فجأة يسود الظلام داخل العربة معلنا نزولها إلى الأنفاق، ولم تكن إلا ثوان حتى وصلت إلى محطة السادات، تلك المحطة المهجورة، الخالية من الركاب، لا تعرف إلى متى ستظل مغلقة متسببة فى تعطيل مصالح الكثير من الناس، مؤدية إلى ذلك الزحام الرهيب فى المحطات التالية، إلى متى ستظل بالنسبة لهم مصدرا لتهديد الأمن القومى، أى حكومة تلك التى تخاف من فتح محطة للمترو؟
عاد الهدوء للعربة مرة أخرى، وفى وسط ذلك التكدس وفى ظل الضوف الخفيف وقعت عيناها على ذلك الإعلان الملصق أمامها، أخذت تقرأه فى سرها " مركز الدكتور فلان الفلانى لعلاج العقم وأمراض الذكورة ".
لماذا يضعون مثل ذلك الإعلان فى عربة مخصصة للسيدات، هل لأن الرجال عادة ما يخشون الاعتراف بهذه الأمور، أم لأن زوجاتهم هم الأكثر تضررا من ذلك وإذا رأين ذلك الإعلان قد يدفعن بأزواجهن للعلاج. 
استطاع الملصق أن يشغل تفكيرها قليلا لتتساءل إن كانوا يضعون مثله فى عربات الرجال، أم أن كل عربة لها إعلان مختلف بتناسب مع هوية قارئه.
تلمح ملصقا آخر، فتمتد ببصرها تحاول أن تقرأه فإذا به " مركز الدكتور فلان فلانى لعلاج ضعف السمع "، " . . . لعلاج مرضى السكر "، " . . . لعلاج أمراض الروماتيزم "، وغيرها من الأمراض التى يبدو أن هناك مركزا واحدا لعلاجها.
أى هراء هو هذا، ومن الذى يسمح بوضع تلك الملصقات داخل عربات تحمل يوميا آلاف مؤلقة من المواطنين الذين قد يصدقون أى شئ، لماذا تغدو حياتنا شيئا تافها دائما مقابل الحصول على بعض المال من إعلانات ليس فيها شئ من الصحة، لماذا يفعلون ذلك بنا، فإذا كان هدفهم أن نموت، فليتركونا نموت فى سلام إذاً، دون التعلق بآمال كاذبة.


باقى من الرحلة محطتان.
تتوقف العربة فى محطة جمال عبدالناصر لتقوم بتحميل المزيد والمزيد من الركاب، يتدافعن إلى الداخل، يتخبطن حتى تجد كل واحدة مساحة تكفى لوضع قدميها دون أن تدوس الأخرى عليها، تلمح فتاة امرأة تحمل طفلا بين يديها فتقوم من مقعدها لتُجلسها مكانها، وسيدة تجلس أخرى عجوز، وقبل أن تغلق العربة أبوابها يصطففن بطريقة تسمح لمن يريد النزول فى المحطة القادمة من المرور أولا.
تلك أشياء قد تجدها وسط الزحام، ربما كانت نادرة لكنها على الأقل لا تزال موجودة، فهؤلاء رغم ما هم فيه لا يحملون الضغائن، يتحلون بالبساطة، وكل امرأة تعرف معنى أن تكون عجوزا، حاملا، أو حاملةً لطفل فى يدها، تلك أشياء تحدث بالفطرة، بعيدا عن الأخلاق، رغم اندراجها تحت بند الأخلاقيات والسلوك.

ومن وسط ذلك الجمع الرهيب تسمع صوتا مدويا ينادى " عسلية سادة وبسمسم، رشا تاكل، حمادة ياكل وبابا يدفع، عسلية سادة وبسمسم "
لا تعرف كيف استطاع ذلك الصبى أن ينسل بين السيدات، لتجد آخرا ينادى " كراريس بيضا ومسطر، الواحدة باتنين ونص، والاربعة بعشرة "
كلماته تبدو ذكية، وأسلوبه يوحى لك بأنك الفائز إذا قررت أن تشترى جملة، نفس الأسلوب المتبع، ولكن الناصح هو من يكتشف تلك الخدعة، كمثل تلك السيدة التى نادت عليه لتعقد هى الصفقة وتصبح حقا طرفا فائزا " انا هاخد الخمسة بعشرة، ها قلت إيه؟ "
يتردد قليلا، يحاول الرفض فتقوم بدورها بالرفض، ليرضخ فى نهاية الأمر فهو فى النهاية يريد أن يبيع، وأن يخسر نصف جنيه فى الكراسة - هذا إن كان خاسرا حقا - أهون عليه من أن يخسر عشرة جنيهات دفعة واحدة.


المحطة قبل الأخيرة.
ينزل هو وصديقه من العربة، ليحل مكانهما أكثر من بائع غيرهما، يتحدثون جميعا فى صوت واحد، لا تعرف كيف يشقون طريقهم وسط أعداد السيدات المحشورة تلك، كل يحاول أن يبيع بضاعته، والبضاعة قد تكون أى شئ، ملابس، أدوات للمطبخ، كل ما يخطر ببالك أن يكون، فهم يدركون تماما أن النساء يمتلكن تلك الموهبة المتمثلة فى شراء كل شئ وأى شئ، ولا أعتقد أنك ستجد منهم فى عربات الرجال، فقلما تجد رجلا يشترى شيئا لا يحتاج إليه الآن، فهو بطبيعته لا يؤمن بالمبدأ القائل " مش هتخَسَّر ".


تتقدم من مكانها، تحاول ان تجد طريقا وسط تلك الاعداد الغفيرة، لم تكن وحدها، كن كثيرات، كلهن يحاولن التقدم حتى يصبحن فى مواجهة الباب، فالمحة القادمة هى الأهم داما، هى الأكثر خطرا، ومن أجل الوصول إليها يجب أن تكون مستعدا، تشد على حقيبتها وتمسكها جيدا بكلتى يديها حتى لا تفلت منها، تدفعها فتاة من الخلف فتدفع بدورها من أمامها، الكل يسعى للوصول إلى المقدمة، حتى كادت أن تفرغ من محتوياتها، فالكثير سينزل فى تلك المحطة، لإجراء عمليات الإحلال والتبديل المتعارف عليها، ولكن تلك تعتبر الأكبر، بعد إغلاق محطة السادات.

" تسسييييييييييييييييييييء ! "
تسمع صوت فرملة عجلات المترو على القضبان الحديدية معلنة وصلها إلى المحطة المنشودة " محطة الشهداء ".
من خلف الزجاج تلمح أعدادا مهولة من البشر، كلهم فى انتظار تلك الللحظة الى تفتح فيها العربة لينقضّوا عليها، وفى تلك المرحلة يجب عليك أن تكون حذرا، فإما أن تسرع بالخروج من العربة فى أسرع وقت، وإما ابتلعوك فى طريقهم إلى الدخول، وسحبوك معهم فى عملية المد والجذر التى سوف تحدث إذا ما تكاسلت ولو لثانيةٍ واحدة عن الخروج، لذا يجب عليك أن تكون سريعا، ومتبجحا إذا لزم الأمر، تخلى عن أخلاقك لبضع ثوان واضرب من يعترض طريقك، زق من امامك حتى تخرج منها سالما، ثم قم بالاعتذار له إن رأيته.
تتوقف قليلا عند تلك المحطة بعد أن نجحت فى الخروج من العربة، لم تسع لكل الواقفين بانتظارها، فلا يزال العدد المنتظر كبيرا، والأعداد تتكاثر، الكل فى لحظة تأهب للعربات القادمة، والفائز فى تلك المرحلة هو من ينجح فى عبور بابها والولوج إليها، لن يهم الجلوس أو الوقوف حينها، المهم أنك قد تمكنت من الدخول.
هم لم يسموها محطة الشهداء تيمنا بشهداء الثورة كما كانوا يدَّعون إذا، هم فقط يصفونها، فهنا على ذلك الرصيف ستجد أكبر تجمع للشعب المصرى، بمختلف طبقاته وأنواعه، هنا قد يتم التحرش بالفتيات بل واغتصابهن ولن يفعل أحد شيئا، هنا قد تسرق ولن تأخذ حقا ولا باطلا، هنا قد تظل تصرخ وتصرخ ولن يسمع أحد صوتك، هنا قد تقتل، وكل ما فعلت أنك كنت تحاول الخروج من عربة المترو.



هدأت الحركة فى المحطة قليلا، لتبدأ فى التلفت باحثةً عن اتجاه العتبة، تلمح السهم من بعيد فتذهب نحوه، تصعد الدرج لتصل إلى منطقة التبديل بين محطتى رمسيس والعتبة، تقف على الرصيف المكتظ بالركاب، الكل على أهبة الاستعداد ليقفز فى العربة القادمة، ربما كان الوضع هنا أقل وطأة ولكنه لم يكن جيدا فى جميع الأحوال. وصلت العربة لتركب فيها، تقف أمام الباب استعدادا تنزل فى المحطة التالية.
وما إن وصلت حتى سارت باتجاه العباسية، تنتقل من سلم إلى آخر حتى وصلت إلى غايتها. لم يكن المترو قد وصل بعد، فجلست لتستريح قليلا على أحد المقاعد، كانت المحطة مكيفة وهى كانت فى أمس الحاجة إلى استنشاق بعضا من الهواء النقى، يكاد الرصيف يبدو خاليا مقارنة بالمحطات السابقة، كان الوضع هنا أجمل كثيرا، لماذا لا تكون جميع المحطات بذلك الشكل إذا؟
تصل عربات المترو، فيركب الجميع ليجد كل منهم مكانا يجلس عليه، تمر المحطة تلو الأخرى لتخف الأعداد بالتدريج، لا تسمع شيئا سوى صوت العربات تسير فوق القضبان، فلا زحام ولا باعة جائلين، ولا أى شئ من هذا القبيل، تستطيع حتى أن تقرأ فى هدوء، أو حتى تنام.
من فرط التعب، أسندت رأسها إلى الوراء قليلا وأغمضت عينيها، لم تبالِ بمتابعة المحطات لأنها ستنزل آخر الخط.
مرت دقائق عدة حتى وصلت العربة إلى محطة الأهرام، تصدر صافرة مدوية تنبه الجميع للنزول من العربة، فتصحو هى من غفوتها، وتمشى باتجاه الخروج. تضع التذكرة فى البوابة الالكترونية، فتسمح لها بالعبور، تنظر إلى أماكن الخروج، وتقرر أيهم تريد، تصعد إلى الخارج، وتأخذ نفسا عميقا، تعبر الطريق إلى الجهة المقابلة تحاول أن تُوَقِّف تاكسى " مدينة نصر لو سمحت؟ ".




                                                                                                                         تمت.

                                                                                                                #سلمى_عبدالوهاب




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المتابعون