الأحد، 15 يونيو 2014

إدمان . . .



كرائحةِ البُنِّ الممزوج بحبوبِ الحبَّهان، يُخالطه زهر القرنفلِ فى فنجان، حين تُداعبُ أنفى لتتسللُ إلى وُجدانى، تتصاعد أبخرتها إلى رأسى، فتجعلنى فى حالةٍ من الهذيانِ، أَسرحُ معها فى خيالاتى، وأُغمِضُ عينىَّ . . . فأنتشى.

                                          ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أتذكر لقاءنا الأول، حين كنت أجلس فى ذلك الركن المنزوى من المقهى، أرقب ما يحدث من حولى ولا شئ ليثير دهشتى، حتى رأيتك تدخل، تبحث عن مكان لتجلس فيه . . .
ظللت أشاهد عينيك تتفحص المكان لعلك تجد غايتك، وقبل أن تهم بالرحيل قررت أن ادعوك لتشاركنى طاولتى لحين الانتهاء من احتساء قهوتى، ولم أنتهى.

تعجبت كثيرا من نفسى حينها، فلم أعتد يوما على محادثة الغرباء -خاصة بهذا الشكل-، ولكن شيئٌ فيك قد جذبنى إليك، واستطاع أن يتغلغل إلى جسدى، كذلك المكان الذى يعبق بشذى القهوة الممزوجة بلونه الخشبى، وموسيقى الجاز، وكأنك قد أتيت ليكتمل بك المشهد، وتثير فى نفسى حالة لم أدرِ لها وصفا غير أننى فى تلك اللحظةِ، كنتُ سعيدة.


                                        ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كسيجارةٍ أَضُمها بين أناملى، أتلذذ بمسكتها وأنا أُقربها إلى شفتىِّ، لأُقَبِلُها . . . 
أُمسكُ بقداحتى لأشعلها، أرى لهيبها أمام عينىّ فيثير بداخلى شيئ أجهل هويته حتى الآن، ولا أجد لذلك تفسيرا، فلطالما وجدت فى لفافة التبغ تلك نوعا من الإثارةِ يجعلنى أشتهيها . . .
آخذ نفسا عميقا إلى الداخل، ثمَّ أُنَفثه فى بطء . . . فأنتشى.


                                       ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت تلك هى المرة الأولى، التى نجلس فيها جبنا إلى جنب، حيث تتلامس أكتافنا، بشكلٍ جعل الكثير من الحواجز تنهار فيما بيننا . . .
تقاربنا، تهامسنا، وضحكنا لأشياءٍ تخصنا، وتلاقت أعيننا لمراتٍ، فى لحظاتٍ كنا نسرقها خلسة، ينظر أحدنا إلى الآخر مُحَملا بكثيرٍ من المشاعر والأسئلة . . .   

خرجنا إلى الشارع نتمشى، تأخذنا أقدامنا إلى حيث لا ندرى . . . لم ننتبه كم من الوقت قد انقضى ونحن ننطلق من شارعٍ إلى آخر، وكأننا لا نريد لتلك الليلة أن ننتهى، آملين أن نتوه فى عالمٍ لنا وحدنا . . .

لم نتوقف عن الكلام وقتها، حتى وإن خان التعبير أحدنا، وجد الآخر يكمله وكأنه يعلم جيدا ما يدور بخلده . . .
كل شئٍ كان مثاليا حينها، حتى مرت تلك السيارة بجانبى، فإذا بى أحس براحة يده أسفل ظهرى تُبعدنى عن الطريق فى حركةٍ لا إرادية، لم يعلق أحد منا عليها، لينتابنى شعور غريب جعلنى أبتسم فى داخلى، كان يحمينى.


                                    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كأنغامٍ موسيقية فى ليلةٍ تجلس فيها وحيدا، تشدو بكلماتٍ لأغانٍ لم تعلم يوما أنك تحفظها . . . 
أبحث عن الهدوء، أشعر بأن رأسى يتآكل، أحاول أن أهرب بعيدا حتى لا أستمع إلى أفكارى اللعينة . . .
ألجأ إلى سماعاتى لأضعها فى أذنىِّ وأنعزل فى عالمى، لا شئٌ يزعجنى . . .

فقط أنا، وتلك الموسيقى . . .
أشعر بها فى رَوحى، تُراقصها . . . فأنتشى.


                                   ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان المكان يَعُجّ بالكثير من هؤلاء الذين نعرفهم ولا نعرفهم، نكره الزحام، نجلس متجاورين واضعا ذراعك خلف ظهرى فى محاولةٍ فاشلة لتضمنى . . .
كلانا يريد الرحيل، نفهم ذلك من نظراتنا، نريد ان نكون وحدنا . . . 
تهمس فى أذنى، أشعر بأنفاسك تتوغل إلى عظامى لتنتقل بسرعة إلى بقية أطرافى، فيقشعر بدنى . . .

صَوتُك.

ينفض الجميع من حولنا، حتى نصبح أنا وأنتَ، فقط . . .
تقوم لتجلس قبالتى، تغازلنى بنظراتك قبل كلماتك . . . أشيح بوجهى خجلا، فتضحك، تلك الضحكة أعشقها، أسمعها فتعجز الكلمات عن وصف مشاعرى . . .

أعود لأنظر إليك فأجدك محدقا بى . . . لأدرك أننا ولأول مرة نتلاقى، يرى أحدنا الآخر . . .
أنظر فى عينيك وأطيل النظر فيهما، أتأمل وجهك جيدا، صامتين، لا يريد أحدنا أن يفسد تلك اللحظة بكلام، كلامٌ مهما كان بلاغته فلن يقدر على أن يصفها . . . 

ذلك الخوف، الرغبة، السكون، الحزن، الفرح، كيف يمكن لتلك المشاعر أن تجتمع فى لحظةٍ واحدة . . .
فى تلك اللحظة فقط ، تيقنت من أننى أحبك.


                                  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كنسماتٍ باردة، فى ليلة صيفٍ عاتية، يضرب الهواء بجسدى . . . 
يتسرب إلى الداخل من أخمص قدمى، يسرى كالخدر فى أوصالى، فأرتجف . . .
تنميلٌ فى جميع الأنحاء، وبرودة تمنعنى من الإحساس بأطرافى . . .
شعور بالحرية، وكأننى أتلاشى لأختلط بذرات الهواء . . . فأنتشى.


                               ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كيف يمكن لكلماتك أن تلامسنى؟
أن أحس بكل كلمة تعانقنى, فأذوب بداخلها، وأغوص معها فى أفكار لا أعرف آخرها . . .

حُلوة . . .هى طريقتك فى قولها، تملك أسلوبا مميزا يجعل من الكلمات عادية كلمات لها مذاق خاص يجبرنى أن أتذوقها . . .
أما عن أفكارك، فهى تلك المرارة التى تضفى شيئا يعادل من حلاوتها، فيعطيها ذلك الطعم الذى أشتهيه . . .

كقطعةٍ من الشيكولاتة الداكنة.

نتحدث كثيرا، لساعات، قد تصل لأيامٍ . . . لا يمل أحدنا الآخر، لا نكرر الكلمات . . .
نتشاجر، ونتصالح، نحلل الكثير مما يدور برأسينا، نشكو، نتألم، نتساءل، نفرح، ندلى باعترافات، نبوح بكل شئ عن مشاعرنا، ننطق بكل جوارحنا، نحلم، ونسرح فى خيالاتنا، معا . . .

نصمت.

وقد يطول الصمت بيننا . . .
نحتاج إلى هدنة لنرتب فيها أفكارنا . . . 
ومن ثّمَّ نعود لنتجرع المزيد.

أكاد أنام، لأصحو على أمل أن أجد رسالة منك، ولكن جرعة صغيرة كتلك لم تعد تكفينى . . .
أجن حين تغيب، وحين تسكت، ولا تجيب . . .
أصبحت أشتاق إليك فى كل وقت من اليوم . . . 
أحتاج إلى كلماتك، وأحن إليها، أقرأها مرارا وتكرارا، حتى ألقاك ثانيةً.

آخذ من غيابك فرصة لأستطيع الشفاء منك، ولكن ما إن تعود لتكلمنى حتى أصاب بك كل ليلة . . .
ولا أعرف كيف استطعت أن تفعل بى كل هذا، أن تتوغل ببطءٍ إلى حياتى، حتى صرت جزءا لا يتجزأ منها، إن لم تكن فى كل شئٍ منها . . .

لا أعرف حقا، ولكننى لن أبالغ حين أقول بأننى قد أدمنتُك.


                                     ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


أجلس الآن فوق سور سطح بنايتى، أحتسى قهوتى، ممسكةً لسيجارتى، يمدانى ببعض الدفء فى تلك الليلة الباردة . . .
فى الخلفِ، تلعب بعض المقطوعات الموسيقية التى أعلم جيدا بأنك تحبها . . .
أتذكر كل شئ حدث بيننا، غريبة هى التفاصيل التى تنتبه لها حين يتملك الحزن منك، أشياء لم تطرأ على ذهنك لحظة حدوثها، ولا تعلم كيف تذكرتها، وكأنك قد قمت بتكبير الصورة فصارت أكثر وضوحا الآن.

كل شئ قد يبدو واضحا عداك.

كلها أشياء أحاول أن أستعيض بها عنك . . .
ولكن كيف لى أن أعوض غيابك بأشياءٍ تخصك، أن أهرب منك إليك، أن أراك متمثلا فى كل شئ . . .
كيف لذاكرتى أن تمحو كل ما سبق لتتح لنفسك مكانا يتسع بداخلى، لدرجة تجعلنى أنسى من كنت عليه قبل أن تحدث.

أجلس الآن فى محاولة بائسة لأن أبكى، وكأن عينى تأبى أن تذرف دمعا على نفسى، عقابا لها . . . 
يزداد الجو برودة، أشعر بها تنخر فى عظامى، أعرق، وأرتجف، وجعٌ يتملكنى، وضيق فى أنفاسى يكاد أن يخنقنى . . .
يبدو أنها أعراض الانسحاب.

لا زال عندى أمل بأنك ستعود لتمدنى بجَرعتى، تغيب تغيب ولا بد دوما أن تعود . . .
ولكننى أخشى، أن تطيل غيابك مرة، ولا تعود . . .
أعلم حينها بأننى لن أصمد طويلا . . .
سأموت.


#سلمى_عبدالوهاب

الاثنين، 9 يونيو 2014

وهى إيه اللى وداها هناك؟



يبقى ذلك السؤال هو الحجة التى يختبئ خلفها كل من يرى الأنثى كائنا دنيويا ثانويا لا يستحق الحياة مثله، لكل من تسول له نفسه بأن يبرر ما حدث لها من تحرش واغتصاب ويلقى باللوم عليها دون أدنى تفكير فى حقها كإنسان دون تمييز جنسها، وكأنها قد خلقت أنثى ليتم إهانتها والتعامل مع جسدها على أنه سلعة بخسة الثمن تستطيع أيدى أيا من كان ان تطاله، وكأنه حق مشروع عقابا لها لانها قد وُلِدت أنثى.

فى مجتمع مريض كهذا، كيف للمرأة أن تعيش فى سلام، ألا تحسب لخطوتها ألف حساب، كيف لها أصلا ألا تتبرأ منه وتعلن تمردها عليه، وكل ما فيه يشير لها دوما بأصابع الاتهام وهى الضحية الوحيدة هنا. فالأمر -رغم اعتراضى الشديد عليه- قد تخطى مرحلة الملابس المثيرة بكثير، إنه نوع من الهيجان الجنسى الذى قام بإعلاء كلمة الغريزة الحيوانية متنسايا طبيعته البشرية التى لا تفكر قبل أن تفعل، تلك الحالة التى أودت بالكثير والكثير من الفتيات فى الفترة الأخيرة فى مجتمعنا -المتدين بطبعه- ويبدو انها لا تزال، غير خائفة من أى قوانين أو عقوبات تم فرضها على المتحرشين، وكأنهم يقولون لهم و بالفُم المليان "طز"، فهؤلاء لن يردعهم مجرد قانون على الورق، قانون لا يزال يأخذ بالمسميات التقليدية لما يحدث ويسميه تعدى أو تحرش طالما لم يحدث "اغتصاب فعلى"، وكأن ما نلقاه من نظرات وإيماءات وإيحاءات وكلمات لا يكفى، أن يكون الخوف والقلق هو صاحبنا الأوحد فى كل خطوة نخطوها، أن نضطر إلى التغاضى عما يحدث خشية إثارة البلابل والمشكلات أو لأننا نعلم جيدا أننا لن نأخذ حقنا. لا، فلا بد أن ننال جانبا من اللمس وما إلى ذلك حتى يقتنعوا بأن ما تم ما هو إلا انتهاك لآدميتنا قبل أى شئ آخر.

أكتب هذا وأنا لا تفارق رأسى صورة فتاة التحرير من احتفالات تنصيب السيسى والتى تم تجريدها من ملابسها بصورة وحشية من قبل مجموعة لا اجد لها وصف مناسب حتى الآن، فالحيوانات لديهم نخوة عن هؤلاء، بدءا ممن اغتصبوها وأشدد على تلك الكلمة ومعناها، لمن وقف يشاهد ولا يفعل شيئا, وصولا إلى ذلك الذى وقف يصورها دون ادنى شعور بالخجل مما يفعل، فها هو يوثق اللحظة، يخبرها بأنه حتى إذا حاولتى أن تنسى ما حدث -هذا إذا فافترضنا أن باستطاعتها ذلك- فلن تنسى، فسيبقى ذلك الفيديو يذكرك دوما بما حدث، وكأن لا يكفيها ما حدث من ألم نفسى وجسدى، لا، فلا بد أن يبقى ذلك الجرح ينزف إلى الأبد.

إذا كنت أنا، وأنا أشاهد ذلك الفيديو وأعرف مسبقا ما حدث -رغم عدم توقعى لان يكون بتلك الوحشية- أصبت بالألم و "وجعنى قلبى"، وشعرت بالظلم والقهر، فما بالك هى، ترى ماذا ستكون ردة فعلها حين تستفيق، كيف ستكون لديها القدرة لمواجهة نفسها اولا، أن تمتلك من القوة لتعيش وتتعايش مع ما حدث، أن تجلس مع أهلها وذويها - هذا اذا افترضنا أنهم لن يقوموا بتحميلها مسئولية ما حدث والنظر لها بنظرة اللائم دائما-، أن تنزل إلى الشارع مرة أخرى دون خوف. أراهن على أنها ستتمنى الموت على حياة كهذه، بينما من اغتصبوا حقها فى الحياة -حتى وإن تم القبض عليهم- يتمتعون بحياة طبيعية، لا يعرفون معنى للألم النفسى الذى لم يسببوه لها فقط، بل لكل بنات جنسها، وأعتقد لكل من بقوا رجالا.

أنهى مقالى هذا وأنا أعلم جيدا -للأسف- أنه لن يكون أكثر من مجرد مقال آخر سيتم وضعه جنبا إلى جنب مع غيره من المقالات التى تتحدث عن تلك الظاهرة كما يحبوا أن يطلقوا عليها، ولكنها وباء وقد تفشى وبسرعة كبيرة للأسف، مرض ليس له من سن معين، ولا تاريخ ولا معلومة عن كيفية الإصابة به، وكغيره من الأمراض فى مصر، لا زلنا لا نجد له دواء، ولحين ما تجد له الدولة حلا، فلا أرى غير العنف حلا لعله يبث الرعب فى أنفس هؤلاء المرضى، الذين يروننا دائما كائنا أضعف، فلنريهم إذا ماذا يمكن لتلك الكائنات الضعيفة أن تفعل حين تغضب وحين تثور فى سبيل ان تأتى بحقها، فإذا كان القانون ودولته لا يستطيعون حمايتها، فلا تلوموها إذا حين تقوم هى بحماية نفسها.

#سلمى_عبدالوهاب

الأربعاء، 23 أبريل 2014

الحتة الناقصة

- و بَس يا ستّى.

قالها ضاحكا، لِيَرى كيف تكون ردة فعلها، لترد متعجبةً :

- هو إيه اللى و بس؟ كمِّل!
- لأ مفيش "كمّل"، هو حلو أوى لحد كده.

 يُكمل ضحكه متابعا لها حتى بدأ يعلو صوتها غضبا :

- ماهو ما ينفعش كل مرة تعمل فيا كده، وتنهى الكلام بالطريقة دى، دايما فى حتة ناقصة.

ببرودٍ شديد مصحوبٌ بابتسامة :

- وهو ده المطلوب.
- يعنى إيه؟ أدَوَّر أنا عليها؟
- لأ! بس هى اللى على أساسها هتعرفى تقررى انتى عايزة إيه ومش عايزة إيه.
- عايزة إيه فى إيه؟ دى قصة، وانت اللى بتحكيها وعارف نهايتها، يبقى ليه بقى ماتقولهاش وتريحنى، مش هتخسر حاجة.
- مين قالِك؟ مش يمكن الحتة دى بالذات ماقدرش احكيها؟ أو مش عاوز أحكيها؟ أو يمكن مش هاحكيهالك انتى بالذات، واحكيها لحد تانى؟ والحد التانى ده حتى لو حكيتله فبردو مش هاحكيله كل حاجة، ممكن أشيل جزء من اللى قلتهولك، وهيبقى بردو نفسه يعرف كل حاجة.

بعد أن بدأت تخفض من نبرة صوتها، وتعود ملامح وجهها للهدوء، قالت له :

- مش فاهمة حاجة. وبردو ما فهمتش ايه العلاقة بين الحتة الناقصة اللى مش هتحكيها وبين قراراتك اللى هتاخدها، قرار إيه تحكى إيه ولمين يعنى ولا إيه؟
- هو مش كده بالظبط، بس هافهمك يا ستى.

يعود بظهره إلى الوراء مستندا إلى ظهر الكرسى فى استرخاء استعدادا للحديث، لتتقدم هى بجسدها نحو الطاولة وتأخذ وضعية الإنصات باهتمام، مشيرةً له بيدها ليبدأ :

- فَهِّمنى.
- كل حاجة فى حياتنا مبنية على " الحتة الناقصة " دى، وعلى أساسها بتبدأى تحددى اختياراتك وبالتالى بتاخدى قراراتك.
وده بقى فى كل حاجة، شغلك، دراستك، علاقتك باللى حواليكى، حتى عربيتك وانتى بتشتريها.
ببساطة الموضوع كله عامل زى لما تجربى اكلة فى مطعم برة وتعجبك جدا لدرجة إنك أول ما تروحى البيت تبقى عاوزة تجربيها، فتدورى على طريقتها وتعمليها، بس عمرها ما هتطلع زيها بالظبط، دايما هيبقى فى حاجة ناقصة، فتبدأى تدورى على طريقة تانية وتالتة وعمرها بردو ما هتظبط معاكى، بس فى الآخر هتستقرى على أقرب واحدة للى أكلتيها، وهتحبيها وتعمليها وتزودى انتى بنفسك عليها، ومع ذلك هتفضلى فى قرارة نفسك عارفة ومتأكدة إن فيها حاجة ناقصة.

- طب ما دام كلهم ناقصين، اشمعنى انا اخترت دى بقى؟
- ما هى دى بقى الفكرة، انتى قرارك فى الآخر بيعتمد على أنهى حتة ناقصة تقدرى تستغنى عنها بحيث إنها ماتأثرش على بقية الأكلة، وفى الأول وفى الآخر هى أذواق، يعنى اللى انا اقدر استغنى عنه هنا مش نفس اللى انتى تقدرى تستغنى عنه، وهكذا.

تسود لحظات من الصمت تبدو خلالها حائرة، ليقطع حيرتها متسائلا :

- مش فاهمة بردو؟
- هو أنا فاهمة قصدك . . . بس بردو مش قادرة أجمع إيه العلاقة بين كلامك وحياتنا نفسها؟ قصدى إن أكيد علاقاتنا معقدة اكتر بكتير من مجرد اختيارات مبنية على حتة ناقصة، يعنى لو مشينا كلامك على العربية والشغل وكل الحاجات المادية اللى فى حياتنا، عمرنا ما هنقدر نطبقه على الحاجات المعنوية، زى الحب والصداقة والجواز وغيره.
- جميييييييل ! امسكى فى النقطة دى بقى وفكرى فيها شوية كده عقبال ما اقوم أدخل الحمام وارجعلك.

يقوم من مقعده تاركا لها تلك الكلمات لتفكر فيها، تحاول أن تجد ذلك الرابط بين حكاياته وبين ما يخبرها به الآن، لماذا يكون غامضا دائما، كثيرا ما تكره طريقته فى الكلام التى تجعل كل شئ يبدو معقدا  هكذا، ورغم ذلك فهى تعشق فلسفته للحياة، فكان هذا هو ما جذبها إليه فى البداية.

- اتأخرت عليكى؟

عاد بسؤاله ذاك ليشد كرسيه إلى الطاولة يجلس متكئا عليها، يرشف القليل من كوب الماء الموضوع أمامه، ليستطرد فى حديثه طارحا عليها سؤالا آخر :

- قوليلى . . . إيه الفرق بين الحب والصداقة - بين ولد وبنت طبعا -؟ او بمعنى آخر، إيه اللى بيخلى صداقة تفضل صداقة وصداقة تقلب بحب؟
- هممم . . . مش عارفة، بس غالبا يعنى ان اللى قلبت بحب دى عشان هم الاتنين لقوا فى بعض الحاجة اللى كانوا بيدوروا عليها فى الطرف التانى، واللى كملوا اصحاب بس يا إما ما لقوهاش يا إما . . . لأ، مش عارفة!
- جميل . . . معنى كلامك ان الاتنين اللى قلبت معاهم بحب ما بقاش عندهم حتة ناقصة، بس اللى كملوا اصحاب عندهم؟
- متهيألى . . . أصل اشمعنى دول كملوا والتانيين لأ؟
- عشان اللى كملوا شافوا انهم يقدروا يعيشوا بالحتة الناقصة اللى عند التانى، مقارنةً بالحتت الناقصة اللى عند اصحابهم التانيين.
زى الأكلة بالظبط.
عشان كده كنت بقولك ان الحتة الناقصة هى اساس علاقتك بكل الناس اللى حواليكى، كل ما الحاجات الناقصة اللى عند اللى قدامك تبقى كتير كل ما يبقى الاختيار اسهل، وكل ما بقى اسهل عليكى تحطى مين فى الاصحاب اللى تخرجى معاهم بس، ومين اللى تحبى تتكلمى معاه، ومين يبقى صاحبك اوى، والأصعب دايما - أو اللى الناس شايفاه الأصعب - هو مين اللى تحبيه وتقررى تكملى حياتك معاه.

- يعنى إيه اللى الناس شايفاه الأصعب؟ هو فى اصعب من كده؟
- آه.
بس هو عشان يمكن مش كل الناس عارفاه فمش واخد حقه، وبالتالى مش محطوط له تعريف فى قاموس العلاقات المتعارف عليها.
ممكن تكونى ما جربتيهوش، بس انا شايفه أصعب اختيار فيهم. الشخص اللى علاقتك بيه مش صداقة قوية، لأ هو أزيد حتة، ويمكن حتة كبيرة كمان يمكن توصل للحب، بس فى نفس الوقت أقل من الحب حتة، الحتة اللى ما تخليهوش يستمر ويكمل لجواز.
هيفضل متعلق كده فى النص، مع إنه فى مفهومى الشخصى هو أحسن نوع فى التلاتة، عشان بيبقى مبنى على تفاهم روحى حصل بين الاتنين، بيبقوا فاهمين بعض من غير كلام، بيبقوا محتاجين لبعض جدا، وبيعرفوا ازاى يستحملوا بعض كويس أوى, كل حاجة بينهم بتبقى مختلفة، بس المشكلة بتبقى فى إنهم صعب يكملوا.
- طب ليه صعب؟ 
- عشان مفيش حاجة حلوة أوى كده بتكمل كده، وعشان بردو بيبقى فى بينهم حتة ناقصة، اصلا فى احتمال كبير ان يبقى حد فيهم بيحب حد تانى، بس كان محتاج حد يفهم، ولما لقاه افتكر انه بيحبه، بس بعدين بيكتشف انه بيحب حاجة فيه او يمكن يكون فعلا بيحبه، بس الحب اللى هو مش حب، حب من نوع تانى، حب غالبا يوم ما يحتاج يقرر يستغنى عن واحد فيهم هيستغنى عنه، ويرجع لحبه الأصلى، حتى لو فيه حتة ناقصة.
فاهمة حاجة؟

تصمت قليلا، وترجع بظهرها إلى الوراء، تسند ذراعيها على يدى الكرسى، وبابتسامة واثقة، ونبرة هادئة :


- هو أنا فاهمة . . . بس فى حاجة
- إيه هىَّ؟
- أنا بقى؟ أبقى انهى واحدة فيهم؟.



#سلمى_عبدالوهاب

السبت، 1 مارس 2014

قرار

-          أقولك على سر ؟

قالتها وهى تفرغ كيس السكر فى فنجان الشاى الموضوع امامها، وتقلبه فى هدوءٍ واضح دون ان تنظر إليه

-          أنا باشرب الشاى بالسكر لما بكون مصدعة بس

ضحكت، فابتسم تلك الابتسامة الخفيفة لتستطرد فى حديثها قائلةً

-          لأ بجد، أقولك على سر؟
-          قولى
-          أنا يوم ما قررت إنى أحبك، كنت عارفة إنى هاتوجع اوى.
-          قررتى؟ وهو الحب كمان فيه قرارات؟
-          كل خطوة فى حياتنا محتاجة قرار، الحاجة الوحيدة اللى ما بناخدش فيها قرار هى لما ب"نُقَع"


تصمت قليلا، وتضع الملعقة جانبا لترفع الفنجان وترتشف منه قليلا فتراه ينظر لها متعجبا عاقدا حاجبيه

-          ماتبصليش أوى كده كإنك مش فاهم!
-          طب مانا فعلا مش فاهم!
-          مش فاهم إيه بالظبط؟ كلامى؟ ولا إنى بحبك؟
-          الاتنين!
-          تبقى بتكدب.


وقبل أن يقاطعها بنظرات تحمل الكثير من التساؤلات، أكملت قائلة

-          يوم ما جيتلى عشان تحكيلى كل حاجة حصلت فى حياتك قبل كده وانت لسة ماتعرفنيش، كنت مستغربة أوى زيك كده دلوقتى، وكنت دايما بسأل نفسى طب هو ليه بيحكيلى أنا كل ده، ومع ذلك سبتك تحكى عشان كنت عارفة يعنى إيه يبقى نفسك تتكلم من غير ما حد يرد عليك، إنك تلاقى حد يسمعك حتى لو مش قادر يفهمك، ومع ذلك كنت فاهماك أوى، وحاساك أوى، كنت حاسة قد إيه انت موجوع، زيى انا كده دلوقتى.
بس عارف إيه الفرق اللى بينى وبينك؟


يعتدل فى جلسته ليستمع لها باهتمام أكثر، بينما كانت لا تزال تحرك سبابتها على طرف الفنجان فى حركات دائرية مستمرة, لتكمل :


-        الفرق إنك ماكنتش عارف إنك هتتوجع كده، بس انا بقى كنت عارفة ومع ذلك كنت راضية، يمكن عشان كنت حاسة إن ممكن حاجة تتغير
طبعا هتقوللى وده إيه علاقته بالحب والقرار؟


يومئ رأسه بالإيجاب مشيرا لها أن تستكمل ما كانت تقوله


-       هقولك،الفكرة كلها إنى فضلت ماشية معاك لحد ما فجأة وقعت
حتى مش عارفة ساعتها وقعت عشان ماكنتش واخدة بالى ولا عشان كنت باستهبل
المهم إنى وقعت، والمشكلة إن ده اللى ناس كتير بتقول عليه الحب، بس الواقعة دى بتبقى بس مرحلة الانبهار، حاجة بتشدك أوى وانت مش فاهم ليه بس فى نفس الوقت مبسوط بيها، شوية ويا إما هتزهق منها يا إما هتبتدى تشوف فيها العيوب اللى ماكانتش باينالك قبل كده من كتر ما انتَ كنت منبهر بيها
وهنا بقى بييجى القرار، إنك تقوم تقف ولا تكمل واقع!



قالتها لترتفع ببصرها إليه، فتجده محدقا إليها فى ذهول يغلفه الصمت لتقتطعه هى بضحكتها المعتادة


-          ما تمثلش بقى
-          مش بمثل، بس مش لاقى رد بصراحة
-          وانا مش مستنية منك رد، أنا بس باحكيلك، زى ما كنت بتحكيلى، الفكرة بس إنى باحكيلك عنك، فيمكن عشان كده انت مستغرب
-          بس . . . أصل . . .


تقُاطعه فى سرعة

-          انا مش بقولك كده عشان تقوللى أصل وفصل، ولا عشان أحسسك بالذنب مثلا، ماتخافش أنا أقوى من كده ميت مرة، ومش مستنية مثلا إنك تقوللى إنك حاولت تحبنى وماعرفتش
 الحب مافهوش محاولات، يا آه يا لأ
-          مش لسة بتقولى الحب قرار؟!
-          قرار لما تبقى أصلا حاسس بحاجة ناحية اللى قدامك ده، فتقرر ساعتها إنك تحبه، إنك تكمل معاه بكل حاجة فيه وحشة وحلوة
 لكن عمره ما بيبقى قرار إنك تحسه
 من الآخر كده، عُمرك قررت إنك تُقَع؟


                                                                                                                                           تمت.

                                                                                                                               #سلمى_عبدالوهاب

الاثنين، 17 فبراير 2014

الماضى الحاضر

الحب الأول . . .

هو تلك التجربة التى مهما حاولنا جاهدين أن ندفنها فى أعماق ذكرياتنا, نجد طيفها يلوح لنا كلما سنحت لنا الفرصة لتجربة حب جديدة.
أتكلم عن الحب الأول وانا لا اعنى به تلك المشاعر الأولية التى ربما نكون قد عشناها يوما, ولكننى أقصد به هو ذلك الحلم الذى ربما عشنا من أجله, ذلك الشخص الذى استطعنا أن نُدخله إلى حياتنا ليغير مسارها حتى أصبحنا لا نتخيلها من دونه, كيف وهو الذى عرفنا معه كل شئ لأول مرة, حتى تلك الأشياء التى عرفناها قبلا أضحى لها مذاقا مختلفا, وكأن كل شئ قبله كان ناقصا فجاء هو ليكمله, ليرحل فجأة عن حياتنا ويأخذ معه كل شئ, حتى ذلك الحلم, بعد أن حُفر فيه اسمه, فيصبح من الصعب إعادة صياغته بعد أن فقد أهم عناصره, ليصبح مجرد ذكرى غيره من الذكريات التى خلفها رحيله, وكأن الحياة قد انتهت بانتهاء دوره فى القصة, فهكذا تعودنا أن ينتهى الفيلم بموت البطل, وقد تتعجب من تمكنه من الاستمرار فى حياته رغم عدم وجودك فيها, فتكتشف حينها أنك لم تكن إلا دورا ثانويا فى قصته, حتى وإن كان يبدو لك حينها عظيما, ولربما كان يظن هو ذلك أيضا, حتى وجد من يستحق أن يلعب دور البطولة.


هو ذلك الخوف الذى نتخذه مبررا لكل شئ فيما بعد, فنحن حين نفشل فى تجربة ما يصبح من الصعب أن نخوض تجربة جديدة خشية أن تنتهى بنفس الطريقة, حتى وإن حاولنا الخوض فيها بحثنا عما قد يمنحنا الفرصة للتراجع عن الاستمرار فيها, فنجد أنفسنا نقلب فى دفاتر الماضى ونبدأ فى المقارنة بينهم, فنندهش حين نجد أننا نَحِّنُ إلى ذلك الحلم القديم وقد نختاره على كل ما هو جديد, لا لشئ إلا لأننا قد اعتدنا على ذلك الألم الذى يسببه لنا حتى تعايشنا معه, فما الذى سوف يحدث لنا إذا حاولنا مرة أخرى وانتهى الأمر بالفشل؟ هل سيصبح باستطاعتنا أن نحتمل جرحا جديدا يعيد من إحياء الألم القديم فيظل مفتوحا ولا يلتئم.


هو ذلك الماضى الذى مهما حاولنا أن نتخلى عنه بنسيانه, نجد أنفسنا معلقين بحباله بحيث نصبح خائفين من الإفلات منها, وكأن تشبثنا بها هو ما سوف يعطينا فرصة للنجاة بأنفسنا من كل ما قد يحدث حولنا, فها نحن قد انعزلنا عن الدنيا وصرنا نعيش فى عالم خاص بنا, عالم يحيا على رفات الذكريات, وما إن تنتهى حتى نفيق, لنجد أن كثيرا من الوقت قد انقضى ونحن على هذه الحال, نعيد ونزيد من ذلك المشهد على أمل أن يستمر بجميع أبطاله, وننسى انه فى جميع الأحوال كان سيستمر, حتى يأتى ذلك الشخص الذى يمكن أن يضفى عليه شيئا مميزا, وهنا تحدث المشكلة.


الشخص الصح فى الوقت الغلط . . .

كثيرا ما سمعنا تلك الجملة, والتى ما هى إلا النقاط السابقة مُجَمعة فى جملة واحدة, فهى لن تصدر إلا عن ذلك الشخص الذى ظل طويلا يحلم بالسراب, فأصبح خوفه من القادم هو المسيطر عليه فى كل قرار يُقدِم عليه, حتى صار حبيسا لتلك الفترة الزمنية بحيث نسى تماما أن الزمن يمضى كما هو فى طريقه لا يتوقف عنده, وأن ذلك الشخص "الصح" لم يأتِ فى الوقت الغلط كما يخيل له, ولكن ساعته فقط هى "اللى كانت واقفة".

المشكلة هنا اننا قد نكون بتلك الطريقة نضيع من أيدينا تلك الفرصة التى كان فى استطاعتها أن تغير من كل شئ وتُحدث فى أنفسنا ذلك التوازن الذى كنا قد افتقدناه قبلا.
المشكلة الثانية أن كثيرا منا يبحث عن ذلك الشخص الذى سينسيه كل ما سبق, وكأنه لم يكن, وذلك لن يحدث أبدا, ربما يكون باستطاعته أن يداوى ذلك الألم, ولكنه لن يتمكن يوما من محو تلك الذكرى, فما شعرت به سيظل فى الذاكرة, تتذكره كلما لاحت الفكرة, وصدقنى حينها ستبتسم, فمنها قد تعلمت الكثير, وربما بدونها ما كانت حياتك لتصبح فى تلك الصورة.


فالحب الأول مثله مثل "أول مرة بتاعة كل حاجة" فى حياة كل منا, تجربة نخوضها فنفشل ونتعلم منها, ويبقى اختلافها فى كيفية استعداد كل شخص لخوض التجربة مرةً أخرى. فتجد من يظل خائفا حتى إنه يكاد أن ينفر منها, وتجد من يحاول مرارا وتكرارا حتى تصيب فى مرة منها, وتجد من يحاول ومع ذلك لا يزال يقنع نفسه بأنه فى استطاعته استعادته مرة أخرى, وتجد من يتوقف عن البحث أملا فى انه سيأتى حين يأتى وحينها فقط لن تمنعه أى قوة, بحيث يصبح الحب الأول شيئا من الماضى تتراءى لنا صورته فى الحاضر كل حين ومين, فنتذكرها ونبتسم.




                                                                                                       -سلمى عبدالوهاب-

الأحد، 5 يناير 2014

ازيك يا دكتورة ل سلمى عبدالوهاب

" ازيك يا دكتورة؟ "

مجموعة قصصية تصدر عن دار المصرى للنشر والتوزيع

تصميم الغلاف : أحمد فرج
مراجعة لغوية : حنان الشافعى

تجدونه فى معرض القاهرة الدولى للكتاب 2014
بجناح دار المصرى فى صالة 2 و صالة ألمانيا ب


الخميس، 26 ديسمبر 2013

فى انتظار . . . "3"

وعلى صوت أذان الفجر, تستيقظ من نومها, تقوم وتأخذ حماما ساخنا, لتطرأ على ذهنها تلك الفكرة.
تخرج لتقف فى مواجهة النافذة المفتوحة, بينما لا تزال قطرات الماء تتساقط من خصلات شعرها المموجة المبللة, تشعل سيجارة وتنفث دخانها فى الهواء البارد الذى يضرب بوجهها. تمسك السيجارة بيد, بينما تضم يدها الأخرى إلى صدرها, تلقى بنظرة طويلة المدى إلى الأسفل, ليفاجئها جرس ساعة المنبه كما اعتاد أن يدق فى تلك الساعة من كل يوم. 
تقذف بالسيجارة خارجا, وتغلق الستار, ومن ثم تتجه إلى الدولاب لاختيار ما ترتديه, فتضع معطفا أسود من التويد, وتحليه بوشاح قرمزى اللون, مرتدية حذاءها الجلدى وحقيبتها الcross. تقف أمام المرآة قليلا تحاول أن تلملم شعرها لتقرر فى النهاية أن تتركه منسدلا أسفل ظهرها, ومن ثم تتجه خارج الغرفة وتصفع الباب من خلفها.

-صباح الخير يا حبيبتى
-صباح الخير يا ماما, معلش مستعجلة
-مش هتفطرى يعنى ؟
-لأ مش هالحق, يلا سلام

تنزل الدَرَج مُهرولةً, وتقف فى الشارع منتظرة.

- تاكسى ؟
-على فين ؟
-محطة مصر لو سمحت !

تصعد إلى السيارة, وتترك الشباك مفتوحا لتشعر بالهواء يتغلغل إلى صدرها, تأخذ نفسا عميقا وترتسم على وجهها ابتسامة صافية استطاعت أن تشع النور فى ملامحها, ابتسامة ربما كانت قد نسيتها منذ زمن.
لم يمض الكثير لتجد نفسها امام المحطة, تترجل خارج السيارة, وهناك عند شباك التذاكر تقف 

-تذكرة لاسكندرية لو سمحت!


تصعد إلى القطار, وتتجه إلى مقعدها الكامن بجوار النافذة, تسمع الصافرة معلنة بدء تحرك القطار, وتبدأ الرحلة.
ظلت طوال الطريق مُحلقة بالخارج, تستمع إلى صوت احتكاك عربات القطار بالقضبان الحديدية, لم تنتبه إلى أى مما كان يحدث حولها, فقط تنظر وتفكر فى آخر مرة سافرت فيها إلى الأسكندرية, كان ذلك منذ زمن. 
تفكر فى آخر مرة قامت بشئ كانت تود القيام به حقا, شئ أرادته, شئ أحبته. حقيقةً هى لا تتذكر, ولا تعرف لماذا, ولكن يبدو أن كل آخر مرة فى حياتها كان قد مضى عليها الكثير من الوقت, بينما كانت منهمكة فى عملها.


وعلى ذكر العمل, تتذكر هاتفها المحمول فتخرجه من حقيبتها, تنظر إلى سجل المكالمات لتجد رقمه مدونا فى مكالمات البارحة. تحاول أن تستعيد بعضا مما قالته فى تلك المحادثة فلا تستطيع, كل ما كانت تذكره انها توقعت اتصاله بها عنها, لا ليتحدث عن العمل, فلم تتمالك أعصابها وصرخت فيها غاضبةً.
ليتنى كنت أتذكر ما قلته له حتى أستوعب حقيقة ما يحدث لى الآن.
تغلق هاتفها مرة أخرى, وتسترسل فى أفكارها. كم كانت تكره ألا تكون على دراية بما يجول بداخلها, ألا تعى حقيقة مشاعرها.
هل تحبينه ؟ لا لا كفاكِ هراءً, إذا لماذا غضبت منه حينها ؟ فربما كنتِ تكنين له بعض المشاعر التى لا تدرين عنها شيئا, وربما كنتِ تعلمين ولم تتجرأى يوما على البوح بها حتى لا تضطرى إلى التعلق به خشية أن تضطرى إلى أن تتخلى عنه.


لم تنتبه إلى الساعة إلا والقطار يتوقف. تحمل حقيبتها وتتجه إلى الخارج.
لدقائق تقف متأملة الشارع, السيارات, الناس, منتشية ببرودة الهواء, تستنشق رائحة البحر, تغمض عينيها وتفرد ذراعيها, لأول مرة كانت تشعر بانها حرة.
لحظات وتبدأ السحب بالتكتل فوقها, لتنهمر الامطار بغزارة, فتضفى على المشهد جوا حميميا للأسكندرية فى الشتاء. كانت سعيدة, فرحة, أخت تضحك منطلقةً فى الشوارع, تتجول بين هنا وهناك, حتى انقضى النهار سريعا لتجد نفسها وقد قادتها قدماها إلى ذلك الشاطئ الذى اعتادت القدوم إليه وهى صغيرة. وقفت تتامل غروب الشمس ولمحة الحزن فى عينيها, تعلم ان تلك اللحظة لم تكن إلا النهاية ليومٍ لم تكن تريد له أن ينتهى وهى على علمٍ بانها ستعود فى الغد إلى ما كانت عليه, مكبلةً بقيود الحب, والعمل, والمجتمع.


مجتمع به أناس يتكلمون بلغةٍ غير تلك التى تتحدث بها, يخضعون أنفسهم لتقاليد هم مبتدعوها, ويجرمون غيرهم بقوانين هم صائغوها.
وعملُ أبغضه, ولا اجد لنفسى شيئا فيه ومع ذلك فأنا مستمرة به عملا بتلك المقولة " حب ما تعمل حتى تعمل ما تحب", ولا ادرى حقا من ذلك الأحمق الذى ألفها وجعل الناس منها حجة للاستسلام للامر الواقع, فكيف بى ان اجد ما أحب وأنا غارقة فى وحل ما أكره.
حب ؟ بل هى مجرد مشاعر أكاد لا أعرف عنها شيئا, وبالرغم من ذلك تؤرقنى, تقيدنى, ولا اعرف كيف التخلص منها.


"فماذا تنتظرين إذا ؟ اللحظة المناسبة ؟ أنتِ تضحكين على نفسك, فلا يوجد فى الحقيقة ما يسمى باللحظة المناسبة، ولكم أهدرنا من العمر زمنا فى انتظارها، ومع ذلك فإننا نهوى اتخاذها عذرا مناسبا لكل ما نتعذر عن القيام به، وسيلة لعدم الإقدام على خطوة ما نخشى ما قد يحدث على إثرها، دافعا للتخلى عن أشياء لطالما حلمنا بها ولم نملك من الشجاعة ما يكفى لأن نحارب من أجلها."


فجأة يصبح الجو أكثر برودة, فتلف الوشاح حول جسدها بقوة, تنظر إلى الساعة لتجد انها قد تخطت العاشرة, فتخرج هاتفها وتفتحه لتتصل بوالدتها وتطمئنها, وما إن ردت عليها حتى صاحت فيها

- انتى فين كل ده ؟ وموبايلك مقفول ليه طول اليوم ؟ كنت هاتجنن عليكى, واتصلت بيكى فى الشغل فالولى ماجاتش أصلا

انتظرت حتى تفرغ كل ما بداخلها من غضب, وبدأت نبرتها فى الهدوء لتقول لها 

-أنا فى اسكندرية, وماقلتلكيش عشان كنت عارفة انك مش هتوافقى, بس اتطمنى انا كويسة, راجعة بكرة الصبح ماتقلقيش عليا


قالتها ولم تنتظر ردا منها, لتغلق هاتفها وتذهب باتجاه وسط المدينة. كانت تتضور جوعا, فذهبت لشراء شيئا لتأكله.
ظلت تمشى إلى أن أنهكها التعب, ولم يكن عندها علم عن كيفية قضائها لما تبقى من ساعات الليل, فاتجهت إلى محطة القطار لتجلس هناك, وأخذت تتابع القلة ممن كانوا متواجدين فى ذلك الوقت, تدقق فى وجوههم وتتساءل كيف ستؤول بهم مصائرهم.
من فرط التعب, غفت قليلا لتستيقظ على الكثير من الأصوات من حولها, تفتح عينيها لتجد أن المحطة قد بدأت تدب فيها الحركة.
تقوم لتشترى كوبا من القهوة, وتجلس تشربها فى انتظار القطار.
فى رحلة العودة لم تستطع إلا أن تنام, لتصحو عند بلوغها القاهرة.



تخرج من المحطة فى اتجاهها إلى الشركة التى تعمل بها, وهناك تدخل لتجده جالس إلى مكتبه يرتشف القهوة, تضع ورقة بيضاء على المكتب, فينظر إليها متسائلا متعجبا 

-إيه دى ؟
-استقالتى !
-نعم ؟ ليه ؟
-عشان انا مكانى مش هنا, وعمره أصلا ما كان هنا, انا طول عمرى بحب التصوير والإخراج, مش فاكرة امتى ولا ازاى شلت الفكرة دى من دماغى و وافقت إنى آجى واشتغل هنا, بس خلاص أنا قررت مش هاعمل تانى حاجة انا مش عاوزاها, كفاية اوى لحد كده

تمشى باتجاه الباب, تاركةً إياه مذهولا بصمته لا يعرف ماذا يقول لها, وبينما هو كذلك فإذا بها تعود وتلتفت له  وتقول له بابتسامةٍ غريبة

- آه وعلى فكرة, انا تقريبا بحبك, مش متأكدة بالظبط بس انا عارفة إنى بَغير عليك جدا وانك بتوحشنى جدا,
بس انا زهقت ومش ناوية أضيع وقتى فى إنى افضل مستنية إنك تنطق أو إنى أتأكد من إنك بتحبنى او لأ,  والحقيقة بقى انى بعد ما قلتها دلوقتى مابقتش مهتمة إنى أعرف, المهم إنى قلتها عشان مافضلش مستنية, عشان ماكملش حياتى كلها فى انتظار.




                                                                                                                  >>> تمت.
                                                                                                             -سلمى عبدالوهاب-

المتابعون