‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 2 يناير 2015

مصر فى محطة الشهدا

عجيبةٌ هى الحياة بكثرة اختلافاتها، ومزيج مكوناتها، تحوى فى داخلها الكثير لتخلق لك فى النهاية عالما متجانسا متباين الأشكال والألوان والأذواق، ولا تعرف كيف تفعلها، ولكنك تفعل، فها أنت الآن تمشى فى ذلك الشارع المحفوف بالأشجار والخضرة، تزينه مجموعة من أفخم المحال والمقاهى فتعطيه لمسةً من الأناقة والرقى، لتخرج منه إلى شارعٍ أكثر ضيقا، يعج بالزحام والفوضى، وسائقى التاكسى والميكروباصات والتكاتك، يحاوطونك من كل الجهات، يتربصون بكل من تطأ أقدامه خارج تلك البوابة الحديدية لعله يكون صاحب الحظ الملقب بالزبون.

كانت قد انتهت من دوام عملها فى الرابعة تقريبا قبل أن تتجه إلى محطة مترو المعادى، تدلف عبر تلك البوابات الحديدية، تتجه إلى شباك التذاكر لتخرج جنيها من جيبها وتتلقى فى المقابل تذكرة صفراء تجيز لها المرور عبر إحدى البوابات الالكترونية لتصل إلى رصيف المحطة، تصعد الدرج المؤدى إلى الجهة الأخرى " اتجاه حلوان-المرج "، كلها محطات يجب المرور بها قبل الوصول غلى المحطة المنشودة. تقف فى انتظار المترو، وإلى جوارها يقف عدد لا بأس به من الفتيات والسيدات تحت لافتة زرقاء تحمل كلمة " عربة السيدات "، وعلى الجانبين يقف صفا من الرجال والشباب، كلٌ يقف فى مكانه لا يتجاوز حدود منطقته المسموح بها.

تصل عربات المترو المحملة بأعداد ليست كثيرة من الركاب، تنفتح الأبواب لينزل مجموعات من الأشخاص ويحل أمكانهم آخرين.
هكذا هو الحال دائما، سلسلة من الإحلال والتبديل، فلا لأحد منا أن يستمر فى مكانه دون أن يأتى غيره ليحل فيه، تتبادل الأدوار مع غيرك ويتبادلون هم مع غيرهم، وهكذا، ننتقل من نقطة إلى اخرى ولا يبقى شئ على ما هو عليه.


تدخل إلى العربة، وتتلفت بحثا عن مقعد خال تجلس عليه فلا تجد، ورغم أن العربة لم تكن مكتظةً بعد إلا أن جميع الأماكن كانت مشغولة، تُطلَق صافرة التنبيه لتغلق بعدها الأبواب، وتبدأ العربات فى التحرك.
فى الجهة المقابلة لأحد الأبواب تجد بقعة شاغرة تستطيع أن تقف فيها مستندة بظهرها إلى الباب، ممسكةً بأحد العواميد، فلا تسقط فى حال ما إذا تم القيام بأى حركة مفاجئة.


لم تكن رحلة العودة قد بدأت بعد حتى يبدأ الباعة الجائلين فى التواجد بالداخل. كانت واحدة من تلك السيدات اللاتى وقفن إلى جوارها على رصيف المحطة، تحمل حقيبة كبيرة من الخوص معبأة بالكثير من الكتب المضروبة

" روايات أحمد مراد، معايا كل روايات أحمد مراد، معايا الفيل الأزرق، الفيل الأزرق يا جدعان، الكتاب ب 25 جنيه، 25 جنيه والنسخة أصلي وأرخص من السوق، قرب شوف روايات أحمد مراد "

هكذا كانت تنادى لتبدأ بعض الفتيات فى سؤالها عما تحمل من كتب أخرى، فتفتح لهن الحقيبة تاركة لهن الحرية للبحث فيها، هى لا تعرف ماذا تحمل من الكتب، ربما تكون لا تعرف حتى القراءة والكتابة، ولكنهم أخبروها أن أحمد مراد مشهور والفيل الأزرق هيبيع، فلا تكلف نفسها عناء سرد ما تحمل فى الحقيبة، المهم هو اختيار عامل الجذب والانتباه، أما البقية فتأتى بعد ذلك.
لم تكن إلا محطةً واحدة حتى رأيتها تنزل من الباب وعلى كتفها تلك الحقيبة، ربما تكون قد نالت مرادها، وربما لم تجد فائدة من المكوث بتلك العربة فقررت أن تعود مرة أخرى لتبدأ من جديد، وربما كان ذلك تنظيما مخطط له مسبقا، أن تركب من محطة المعادى خصيصا وتنزل فى المحطة التالية لتعود إليها وهكذا، تظل تدور فى تلك المحطة حتى تفرغ من مهمتها، فربما كانت هى تلك محطة المثقفين بالنسبة إليهم، نظرا لارتفاع المستوى المعيشى لسكانها مقارنة بالمناطق الأخرى، مما يسمح لهم بشراء الكتب وإخراج الأموال من جيوبهم لاقتنائها.


" نازلة؟ "
تربت إحدى الفتيات على كتفها فتقطع عليها حبل أفكارها، فتجيبها بالنفى، لتطلب منها أن تتحرك بعيدا عن الباب لتفسح مجالا لمن سينزل المحطة القادمة، تعجبت فى بادئ الأمر لتدرك بعدها أن الباب سيفتح من جهتها تلك المرة، فابتعدت قليلا حتى وصلت إلى محطة دار السلام، لتنزل تلك الفتاة وتركب أخريات يقمن باحتلال بقعتها التى كانت قد حجزتها لنفسها، ورغم ذلك استطاعت أن تتخلل بينهم لتعود إلى مكانها، أصبح الوضع أسوأ ولكنه أفضل من الوقوف فى المنتصف على كل حال.
وقفت ممسكة بذلك العامود المعدنى يقيها شر السقوط والاصطدام بمن حولها، ترفع رأسها قليلا تحاول أن تعد كم تبقى من المحطات حتى تصل إلى المحطة المنشودة. كان ينقصها تسع محطات، أى ما يقارب عشرين دقيقة تقريبا، لتصل إلى المحطة التالية.

تبدأ أعداد الوافدين فى ازدياد، وكلما ازداد العدد ازداد معهم البائعين والزحام والخناق، والوافدون من كل شكل ولون، إلا أن أغلبهم يتشابهون فى نظراتهم البائسة، وجوههم مكفهرة يغلب عليها طابع الحزن، مغلفةً بالأسى، وكأنهم يحملون فى داخلهم هموم الدنيا والآخرة، يحاولون التغاضى عنها بالحديث إلى بعضهم البعض، فتجد من تحكى أنها ذاهبة إلى المكان الفلانى لشراء شيئا ما، وأخرى تحكى عن زميلاتها وجيرانها، وتلك تحكى عن أى شئ لمجرد الانخراط فى حديث سيودى بهم جميعا إلى الحديث عن مشاكلهم، التى غالبا ما تكون واحدة.
تسمعهم يحكين عن غلاء الأسعار وانقطاع المياه والكهرباء باستمرار، يتكلمن عن زيادة أسعار تذاكر المترو التى لا يعرف أحد عنها أى شئ محدد حتى الآن، يتحدثن عن الكفتة واختراعات الجيش وعلاج الأمراض وفشل المنظومة الصحية برمتها، يشتكين ويسبنَّ ويلعنَّ، ثم تجد إحداهن تقول أن الوضع الحالى أفضل على أى حال، ستقول أن عهد السيسى أفضل من زمن الإخوان، لترد عليها أخرى بأن الوضع سئ على كل حال، وأن شباب الثورة هم من أضاعوا البلد وخربوها، فترد ثالثة بأن هؤلاء الشباب هم الذين ضاعوا وراحوا هباء، ومن هذه إلى تلك تتعالى الأصوات لتبدأ فى التراجع مرة أخرى، وكأن كل واحدة قد أخرجت ما فى داخلها من غضب حتى تهدأ، متمنيةً أن تمشى الدنيا على خير، داعيةً إن ربنا يسترها.


تمر المحطة تلو الأخرى، تنظر إلى أسماء المحطات متسائلة عما يوجد خلف السور لكل محطة منهم، فكلها أماكن لم تذهب إليها من قبل، تثير فضولها كلما اتخذت المترو وسيلةً لنقلها، ورغم ذلك لم تجرؤ يوما على النزول بها لمعرفة ماهيتها، ترى الركاب يرحلون ويصعدون، كل إلى وجهته، يعرفون متى يحين موعد نزولهم ومن أى جهة يكون، وكأنهم قد صاروا مُبَرمَجين  كواحدة من عربات المترو، تعرف المستجد منهم حين يسأل من أين يركب إلى أين يذهب، يبدو تائها، يكفيه فقط أن يقضى فترة فى ذلك المكان ليصبح بعدها أحد هؤلاء المحترفين.


ست محطات أخرى.
لا تزال تقف فى موقعها، متشبثة بعامودها، تترنح قليلا، ولكنها على الأقل لا تسقط، النازحون قليلون، والوافدون كثر، ما إن تفتح العربة حتى يتكالبن على الدخول قبل حتى أن تنزل من تريد منهن النزول، يتصارعن إلى الداخل فى محاولة للحاق بمكان يستطعن الوقوف فيه، ففى تلك المرحلة من الزحام "أوبشن" الجلوس لم يعد متاحا، المهم الآن أن تجد مكانا آدميا للوقوف، والشاطر من يظفر ببقعة بعيدة عن الحركة، باب تستند إليه، أو حتى عامود.
الغريب أن فى تلك المرحلة أيضا، كلما ازداد الزحام عم السكون، كل واحدة فى الملكوت الخاص بها، ربما تسمع بعض الهمهمات البسيطة ولكنها بالتأكيد ليست كسابقاتها، وكأن الإرهاق والتعب قد حل بهن فى وقت واحد، فآثرن الصمت على الحديث وإخراج ما فى مكنوناتهن، ففى النهاية ليس للحديث من قيمة تذكر غير أنه وجع دماغ ليس إلا.


وقفت تتأملهن فى صمت، تفكر فيما يخبئن من حكايا خلف تلك الوجوه العابسة، وإذا بصوت قادم من الوسط يقتطع ذلك الصمت قائلا 

" السلامو عليكو "

فلم يرد أحد، وكأنهن قد اتفقن جميعا على تجاهل مصدر الصوت، لتعاود مرة أخرى وبطريقة أكثر مرحا تخرجهن عن عبوسهن،

" أنا بقول السلامو عليكو "

يرد بعضهن التحية " وعليكم السلام "

شعرت بانتصار ولو طفيف بأنها جعلت البعض منهن يلتفتن إليها 

" أيوة كده . . . عايزة أقولكو على عرض النهاردة، شنطة كتاااان قماشها متين وبيستحمل، تشيلى فيها حاجة الطفل، تشيلى فيها المِيكاب بتاعك، وفيها كبسونة من قدام، شنطة كتان مش موجودة فى أى حتة، بقايا المستورد، وكل ده كله بخمسة جنيه بس، شنطة كتان آخر شياكة، ولو اتوسخت ارميها فى الغسالة، اللى عايزها ياخدها، واللى عاوز يشوفها ياخد فكرة يتفرج، يلا الحقوا العرض قبل ما يخلص "

أخذت تكرر تلك الجمل مرارا وتكرارا وكأنها شريط مسجل، لا تكل ولا تمل، تحمل روحا خفيفة استطاعت أن تجعل معظم من فى العربة إن لم يشترين منها تلك الشنطة أن يتفحصنها على الأقل، ولم تكن إلا دقائق حتى كانت قد فرغت من معظم ما تحمله فى حقيبتها من شنط، تصل إلى المحطة التالية لتنزل تاركةً خلفها عربة محملة بالفتيات والسيدات يحملن تلك الشنطة الكتان.
كانت بارعة حقا، وكيف لا وقد استطاعت أن تبيع بضاعتها فى وقتٍ قياسى، جعلت كل من اشترت منها تشعر بأنها صاحبة المكسب من تلك الصفقة، فهى الآن تحمل حقيبة يد وبخمسة جنيهات فقط، وهنا يكمن سر التجارة الناجحة، أن تُشعر من أمامك أنه الفائز وأنك سوف تضحى من أجله، فى سبيل أن يكون مبسوط.


" قلم الكحل اللى بعشرة جنيه، انهردة معانا بخمسة، والتلاتة بعشرة، قلم الكحل الألمانى الأصلى، مش بيسيح وبيفضل معاكى طول اليوم، فيه منه كل الألوان، قلم الكحل الألمانى معانا بخمسة جنيه "
لتأتى زميلتها فى العمل وتتخالط أصواتهما معا حتى تكاد لا تميز أيهما تبيع أى البضاعتين " قلم الروج السحرى معانا بخمسة، قلم الروج بيفضل معاكى طول اليوم، انتهزى الفرصة قبل ما يخلص "
 تتحدث كل منهما بنفس الطريقة، يتبادلن الأدوار، ولكن يبدو أن الحظ لم يحالفهما كثيرا كسابقتهما، هل لأن حاجة الفتيات إلى قلم الكحل والروج ليست كحاجتهم لتلك الحقيبة، أم لأن هيئتهما ليست مقنعة بما فيه الكفاية، فوجههما الباهت يشير إلى ذلك، لا يحمل أيا من علامات التبرج، فإن كان لا يسيح حقا فلماذا لا تضعن منه أثناء العمل، كنوع من أنواع الدعاية على الأقل.


فجأة يسود الظلام داخل العربة معلنا نزولها إلى الأنفاق، ولم تكن إلا ثوان حتى وصلت إلى محطة السادات، تلك المحطة المهجورة، الخالية من الركاب، لا تعرف إلى متى ستظل مغلقة متسببة فى تعطيل مصالح الكثير من الناس، مؤدية إلى ذلك الزحام الرهيب فى المحطات التالية، إلى متى ستظل بالنسبة لهم مصدرا لتهديد الأمن القومى، أى حكومة تلك التى تخاف من فتح محطة للمترو؟
عاد الهدوء للعربة مرة أخرى، وفى وسط ذلك التكدس وفى ظل الضوف الخفيف وقعت عيناها على ذلك الإعلان الملصق أمامها، أخذت تقرأه فى سرها " مركز الدكتور فلان الفلانى لعلاج العقم وأمراض الذكورة ".
لماذا يضعون مثل ذلك الإعلان فى عربة مخصصة للسيدات، هل لأن الرجال عادة ما يخشون الاعتراف بهذه الأمور، أم لأن زوجاتهم هم الأكثر تضررا من ذلك وإذا رأين ذلك الإعلان قد يدفعن بأزواجهن للعلاج. 
استطاع الملصق أن يشغل تفكيرها قليلا لتتساءل إن كانوا يضعون مثله فى عربات الرجال، أم أن كل عربة لها إعلان مختلف بتناسب مع هوية قارئه.
تلمح ملصقا آخر، فتمتد ببصرها تحاول أن تقرأه فإذا به " مركز الدكتور فلان فلانى لعلاج ضعف السمع "، " . . . لعلاج مرضى السكر "، " . . . لعلاج أمراض الروماتيزم "، وغيرها من الأمراض التى يبدو أن هناك مركزا واحدا لعلاجها.
أى هراء هو هذا، ومن الذى يسمح بوضع تلك الملصقات داخل عربات تحمل يوميا آلاف مؤلقة من المواطنين الذين قد يصدقون أى شئ، لماذا تغدو حياتنا شيئا تافها دائما مقابل الحصول على بعض المال من إعلانات ليس فيها شئ من الصحة، لماذا يفعلون ذلك بنا، فإذا كان هدفهم أن نموت، فليتركونا نموت فى سلام إذاً، دون التعلق بآمال كاذبة.


باقى من الرحلة محطتان.
تتوقف العربة فى محطة جمال عبدالناصر لتقوم بتحميل المزيد والمزيد من الركاب، يتدافعن إلى الداخل، يتخبطن حتى تجد كل واحدة مساحة تكفى لوضع قدميها دون أن تدوس الأخرى عليها، تلمح فتاة امرأة تحمل طفلا بين يديها فتقوم من مقعدها لتُجلسها مكانها، وسيدة تجلس أخرى عجوز، وقبل أن تغلق العربة أبوابها يصطففن بطريقة تسمح لمن يريد النزول فى المحطة القادمة من المرور أولا.
تلك أشياء قد تجدها وسط الزحام، ربما كانت نادرة لكنها على الأقل لا تزال موجودة، فهؤلاء رغم ما هم فيه لا يحملون الضغائن، يتحلون بالبساطة، وكل امرأة تعرف معنى أن تكون عجوزا، حاملا، أو حاملةً لطفل فى يدها، تلك أشياء تحدث بالفطرة، بعيدا عن الأخلاق، رغم اندراجها تحت بند الأخلاقيات والسلوك.

ومن وسط ذلك الجمع الرهيب تسمع صوتا مدويا ينادى " عسلية سادة وبسمسم، رشا تاكل، حمادة ياكل وبابا يدفع، عسلية سادة وبسمسم "
لا تعرف كيف استطاع ذلك الصبى أن ينسل بين السيدات، لتجد آخرا ينادى " كراريس بيضا ومسطر، الواحدة باتنين ونص، والاربعة بعشرة "
كلماته تبدو ذكية، وأسلوبه يوحى لك بأنك الفائز إذا قررت أن تشترى جملة، نفس الأسلوب المتبع، ولكن الناصح هو من يكتشف تلك الخدعة، كمثل تلك السيدة التى نادت عليه لتعقد هى الصفقة وتصبح حقا طرفا فائزا " انا هاخد الخمسة بعشرة، ها قلت إيه؟ "
يتردد قليلا، يحاول الرفض فتقوم بدورها بالرفض، ليرضخ فى نهاية الأمر فهو فى النهاية يريد أن يبيع، وأن يخسر نصف جنيه فى الكراسة - هذا إن كان خاسرا حقا - أهون عليه من أن يخسر عشرة جنيهات دفعة واحدة.


المحطة قبل الأخيرة.
ينزل هو وصديقه من العربة، ليحل مكانهما أكثر من بائع غيرهما، يتحدثون جميعا فى صوت واحد، لا تعرف كيف يشقون طريقهم وسط أعداد السيدات المحشورة تلك، كل يحاول أن يبيع بضاعته، والبضاعة قد تكون أى شئ، ملابس، أدوات للمطبخ، كل ما يخطر ببالك أن يكون، فهم يدركون تماما أن النساء يمتلكن تلك الموهبة المتمثلة فى شراء كل شئ وأى شئ، ولا أعتقد أنك ستجد منهم فى عربات الرجال، فقلما تجد رجلا يشترى شيئا لا يحتاج إليه الآن، فهو بطبيعته لا يؤمن بالمبدأ القائل " مش هتخَسَّر ".


تتقدم من مكانها، تحاول ان تجد طريقا وسط تلك الاعداد الغفيرة، لم تكن وحدها، كن كثيرات، كلهن يحاولن التقدم حتى يصبحن فى مواجهة الباب، فالمحة القادمة هى الأهم داما، هى الأكثر خطرا، ومن أجل الوصول إليها يجب أن تكون مستعدا، تشد على حقيبتها وتمسكها جيدا بكلتى يديها حتى لا تفلت منها، تدفعها فتاة من الخلف فتدفع بدورها من أمامها، الكل يسعى للوصول إلى المقدمة، حتى كادت أن تفرغ من محتوياتها، فالكثير سينزل فى تلك المحطة، لإجراء عمليات الإحلال والتبديل المتعارف عليها، ولكن تلك تعتبر الأكبر، بعد إغلاق محطة السادات.

" تسسييييييييييييييييييييء ! "
تسمع صوت فرملة عجلات المترو على القضبان الحديدية معلنة وصلها إلى المحطة المنشودة " محطة الشهداء ".
من خلف الزجاج تلمح أعدادا مهولة من البشر، كلهم فى انتظار تلك الللحظة الى تفتح فيها العربة لينقضّوا عليها، وفى تلك المرحلة يجب عليك أن تكون حذرا، فإما أن تسرع بالخروج من العربة فى أسرع وقت، وإما ابتلعوك فى طريقهم إلى الدخول، وسحبوك معهم فى عملية المد والجذر التى سوف تحدث إذا ما تكاسلت ولو لثانيةٍ واحدة عن الخروج، لذا يجب عليك أن تكون سريعا، ومتبجحا إذا لزم الأمر، تخلى عن أخلاقك لبضع ثوان واضرب من يعترض طريقك، زق من امامك حتى تخرج منها سالما، ثم قم بالاعتذار له إن رأيته.
تتوقف قليلا عند تلك المحطة بعد أن نجحت فى الخروج من العربة، لم تسع لكل الواقفين بانتظارها، فلا يزال العدد المنتظر كبيرا، والأعداد تتكاثر، الكل فى لحظة تأهب للعربات القادمة، والفائز فى تلك المرحلة هو من ينجح فى عبور بابها والولوج إليها، لن يهم الجلوس أو الوقوف حينها، المهم أنك قد تمكنت من الدخول.
هم لم يسموها محطة الشهداء تيمنا بشهداء الثورة كما كانوا يدَّعون إذا، هم فقط يصفونها، فهنا على ذلك الرصيف ستجد أكبر تجمع للشعب المصرى، بمختلف طبقاته وأنواعه، هنا قد يتم التحرش بالفتيات بل واغتصابهن ولن يفعل أحد شيئا، هنا قد تسرق ولن تأخذ حقا ولا باطلا، هنا قد تظل تصرخ وتصرخ ولن يسمع أحد صوتك، هنا قد تقتل، وكل ما فعلت أنك كنت تحاول الخروج من عربة المترو.



هدأت الحركة فى المحطة قليلا، لتبدأ فى التلفت باحثةً عن اتجاه العتبة، تلمح السهم من بعيد فتذهب نحوه، تصعد الدرج لتصل إلى منطقة التبديل بين محطتى رمسيس والعتبة، تقف على الرصيف المكتظ بالركاب، الكل على أهبة الاستعداد ليقفز فى العربة القادمة، ربما كان الوضع هنا أقل وطأة ولكنه لم يكن جيدا فى جميع الأحوال. وصلت العربة لتركب فيها، تقف أمام الباب استعدادا تنزل فى المحطة التالية.
وما إن وصلت حتى سارت باتجاه العباسية، تنتقل من سلم إلى آخر حتى وصلت إلى غايتها. لم يكن المترو قد وصل بعد، فجلست لتستريح قليلا على أحد المقاعد، كانت المحطة مكيفة وهى كانت فى أمس الحاجة إلى استنشاق بعضا من الهواء النقى، يكاد الرصيف يبدو خاليا مقارنة بالمحطات السابقة، كان الوضع هنا أجمل كثيرا، لماذا لا تكون جميع المحطات بذلك الشكل إذا؟
تصل عربات المترو، فيركب الجميع ليجد كل منهم مكانا يجلس عليه، تمر المحطة تلو الأخرى لتخف الأعداد بالتدريج، لا تسمع شيئا سوى صوت العربات تسير فوق القضبان، فلا زحام ولا باعة جائلين، ولا أى شئ من هذا القبيل، تستطيع حتى أن تقرأ فى هدوء، أو حتى تنام.
من فرط التعب، أسندت رأسها إلى الوراء قليلا وأغمضت عينيها، لم تبالِ بمتابعة المحطات لأنها ستنزل آخر الخط.
مرت دقائق عدة حتى وصلت العربة إلى محطة الأهرام، تصدر صافرة مدوية تنبه الجميع للنزول من العربة، فتصحو هى من غفوتها، وتمشى باتجاه الخروج. تضع التذكرة فى البوابة الالكترونية، فتسمح لها بالعبور، تنظر إلى أماكن الخروج، وتقرر أيهم تريد، تصعد إلى الخارج، وتأخذ نفسا عميقا، تعبر الطريق إلى الجهة المقابلة تحاول أن تُوَقِّف تاكسى " مدينة نصر لو سمحت؟ ".




                                                                                                                         تمت.

                                                                                                                #سلمى_عبدالوهاب




الأحد، 15 يونيو 2014

إدمان . . .



كرائحةِ البُنِّ الممزوج بحبوبِ الحبَّهان، يُخالطه زهر القرنفلِ فى فنجان، حين تُداعبُ أنفى لتتسللُ إلى وُجدانى، تتصاعد أبخرتها إلى رأسى، فتجعلنى فى حالةٍ من الهذيانِ، أَسرحُ معها فى خيالاتى، وأُغمِضُ عينىَّ . . . فأنتشى.

                                          ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أتذكر لقاءنا الأول، حين كنت أجلس فى ذلك الركن المنزوى من المقهى، أرقب ما يحدث من حولى ولا شئ ليثير دهشتى، حتى رأيتك تدخل، تبحث عن مكان لتجلس فيه . . .
ظللت أشاهد عينيك تتفحص المكان لعلك تجد غايتك، وقبل أن تهم بالرحيل قررت أن ادعوك لتشاركنى طاولتى لحين الانتهاء من احتساء قهوتى، ولم أنتهى.

تعجبت كثيرا من نفسى حينها، فلم أعتد يوما على محادثة الغرباء -خاصة بهذا الشكل-، ولكن شيئٌ فيك قد جذبنى إليك، واستطاع أن يتغلغل إلى جسدى، كذلك المكان الذى يعبق بشذى القهوة الممزوجة بلونه الخشبى، وموسيقى الجاز، وكأنك قد أتيت ليكتمل بك المشهد، وتثير فى نفسى حالة لم أدرِ لها وصفا غير أننى فى تلك اللحظةِ، كنتُ سعيدة.


                                        ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كسيجارةٍ أَضُمها بين أناملى، أتلذذ بمسكتها وأنا أُقربها إلى شفتىِّ، لأُقَبِلُها . . . 
أُمسكُ بقداحتى لأشعلها، أرى لهيبها أمام عينىّ فيثير بداخلى شيئ أجهل هويته حتى الآن، ولا أجد لذلك تفسيرا، فلطالما وجدت فى لفافة التبغ تلك نوعا من الإثارةِ يجعلنى أشتهيها . . .
آخذ نفسا عميقا إلى الداخل، ثمَّ أُنَفثه فى بطء . . . فأنتشى.


                                       ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كانت تلك هى المرة الأولى، التى نجلس فيها جبنا إلى جنب، حيث تتلامس أكتافنا، بشكلٍ جعل الكثير من الحواجز تنهار فيما بيننا . . .
تقاربنا، تهامسنا، وضحكنا لأشياءٍ تخصنا، وتلاقت أعيننا لمراتٍ، فى لحظاتٍ كنا نسرقها خلسة، ينظر أحدنا إلى الآخر مُحَملا بكثيرٍ من المشاعر والأسئلة . . .   

خرجنا إلى الشارع نتمشى، تأخذنا أقدامنا إلى حيث لا ندرى . . . لم ننتبه كم من الوقت قد انقضى ونحن ننطلق من شارعٍ إلى آخر، وكأننا لا نريد لتلك الليلة أن ننتهى، آملين أن نتوه فى عالمٍ لنا وحدنا . . .

لم نتوقف عن الكلام وقتها، حتى وإن خان التعبير أحدنا، وجد الآخر يكمله وكأنه يعلم جيدا ما يدور بخلده . . .
كل شئٍ كان مثاليا حينها، حتى مرت تلك السيارة بجانبى، فإذا بى أحس براحة يده أسفل ظهرى تُبعدنى عن الطريق فى حركةٍ لا إرادية، لم يعلق أحد منا عليها، لينتابنى شعور غريب جعلنى أبتسم فى داخلى، كان يحمينى.


                                    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كأنغامٍ موسيقية فى ليلةٍ تجلس فيها وحيدا، تشدو بكلماتٍ لأغانٍ لم تعلم يوما أنك تحفظها . . . 
أبحث عن الهدوء، أشعر بأن رأسى يتآكل، أحاول أن أهرب بعيدا حتى لا أستمع إلى أفكارى اللعينة . . .
ألجأ إلى سماعاتى لأضعها فى أذنىِّ وأنعزل فى عالمى، لا شئٌ يزعجنى . . .

فقط أنا، وتلك الموسيقى . . .
أشعر بها فى رَوحى، تُراقصها . . . فأنتشى.


                                   ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان المكان يَعُجّ بالكثير من هؤلاء الذين نعرفهم ولا نعرفهم، نكره الزحام، نجلس متجاورين واضعا ذراعك خلف ظهرى فى محاولةٍ فاشلة لتضمنى . . .
كلانا يريد الرحيل، نفهم ذلك من نظراتنا، نريد ان نكون وحدنا . . . 
تهمس فى أذنى، أشعر بأنفاسك تتوغل إلى عظامى لتنتقل بسرعة إلى بقية أطرافى، فيقشعر بدنى . . .

صَوتُك.

ينفض الجميع من حولنا، حتى نصبح أنا وأنتَ، فقط . . .
تقوم لتجلس قبالتى، تغازلنى بنظراتك قبل كلماتك . . . أشيح بوجهى خجلا، فتضحك، تلك الضحكة أعشقها، أسمعها فتعجز الكلمات عن وصف مشاعرى . . .

أعود لأنظر إليك فأجدك محدقا بى . . . لأدرك أننا ولأول مرة نتلاقى، يرى أحدنا الآخر . . .
أنظر فى عينيك وأطيل النظر فيهما، أتأمل وجهك جيدا، صامتين، لا يريد أحدنا أن يفسد تلك اللحظة بكلام، كلامٌ مهما كان بلاغته فلن يقدر على أن يصفها . . . 

ذلك الخوف، الرغبة، السكون، الحزن، الفرح، كيف يمكن لتلك المشاعر أن تجتمع فى لحظةٍ واحدة . . .
فى تلك اللحظة فقط ، تيقنت من أننى أحبك.


                                  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كنسماتٍ باردة، فى ليلة صيفٍ عاتية، يضرب الهواء بجسدى . . . 
يتسرب إلى الداخل من أخمص قدمى، يسرى كالخدر فى أوصالى، فأرتجف . . .
تنميلٌ فى جميع الأنحاء، وبرودة تمنعنى من الإحساس بأطرافى . . .
شعور بالحرية، وكأننى أتلاشى لأختلط بذرات الهواء . . . فأنتشى.


                               ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كيف يمكن لكلماتك أن تلامسنى؟
أن أحس بكل كلمة تعانقنى, فأذوب بداخلها، وأغوص معها فى أفكار لا أعرف آخرها . . .

حُلوة . . .هى طريقتك فى قولها، تملك أسلوبا مميزا يجعل من الكلمات عادية كلمات لها مذاق خاص يجبرنى أن أتذوقها . . .
أما عن أفكارك، فهى تلك المرارة التى تضفى شيئا يعادل من حلاوتها، فيعطيها ذلك الطعم الذى أشتهيه . . .

كقطعةٍ من الشيكولاتة الداكنة.

نتحدث كثيرا، لساعات، قد تصل لأيامٍ . . . لا يمل أحدنا الآخر، لا نكرر الكلمات . . .
نتشاجر، ونتصالح، نحلل الكثير مما يدور برأسينا، نشكو، نتألم، نتساءل، نفرح، ندلى باعترافات، نبوح بكل شئ عن مشاعرنا، ننطق بكل جوارحنا، نحلم، ونسرح فى خيالاتنا، معا . . .

نصمت.

وقد يطول الصمت بيننا . . .
نحتاج إلى هدنة لنرتب فيها أفكارنا . . . 
ومن ثّمَّ نعود لنتجرع المزيد.

أكاد أنام، لأصحو على أمل أن أجد رسالة منك، ولكن جرعة صغيرة كتلك لم تعد تكفينى . . .
أجن حين تغيب، وحين تسكت، ولا تجيب . . .
أصبحت أشتاق إليك فى كل وقت من اليوم . . . 
أحتاج إلى كلماتك، وأحن إليها، أقرأها مرارا وتكرارا، حتى ألقاك ثانيةً.

آخذ من غيابك فرصة لأستطيع الشفاء منك، ولكن ما إن تعود لتكلمنى حتى أصاب بك كل ليلة . . .
ولا أعرف كيف استطعت أن تفعل بى كل هذا، أن تتوغل ببطءٍ إلى حياتى، حتى صرت جزءا لا يتجزأ منها، إن لم تكن فى كل شئٍ منها . . .

لا أعرف حقا، ولكننى لن أبالغ حين أقول بأننى قد أدمنتُك.


                                     ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


أجلس الآن فوق سور سطح بنايتى، أحتسى قهوتى، ممسكةً لسيجارتى، يمدانى ببعض الدفء فى تلك الليلة الباردة . . .
فى الخلفِ، تلعب بعض المقطوعات الموسيقية التى أعلم جيدا بأنك تحبها . . .
أتذكر كل شئ حدث بيننا، غريبة هى التفاصيل التى تنتبه لها حين يتملك الحزن منك، أشياء لم تطرأ على ذهنك لحظة حدوثها، ولا تعلم كيف تذكرتها، وكأنك قد قمت بتكبير الصورة فصارت أكثر وضوحا الآن.

كل شئ قد يبدو واضحا عداك.

كلها أشياء أحاول أن أستعيض بها عنك . . .
ولكن كيف لى أن أعوض غيابك بأشياءٍ تخصك، أن أهرب منك إليك، أن أراك متمثلا فى كل شئ . . .
كيف لذاكرتى أن تمحو كل ما سبق لتتح لنفسك مكانا يتسع بداخلى، لدرجة تجعلنى أنسى من كنت عليه قبل أن تحدث.

أجلس الآن فى محاولة بائسة لأن أبكى، وكأن عينى تأبى أن تذرف دمعا على نفسى، عقابا لها . . . 
يزداد الجو برودة، أشعر بها تنخر فى عظامى، أعرق، وأرتجف، وجعٌ يتملكنى، وضيق فى أنفاسى يكاد أن يخنقنى . . .
يبدو أنها أعراض الانسحاب.

لا زال عندى أمل بأنك ستعود لتمدنى بجَرعتى، تغيب تغيب ولا بد دوما أن تعود . . .
ولكننى أخشى، أن تطيل غيابك مرة، ولا تعود . . .
أعلم حينها بأننى لن أصمد طويلا . . .
سأموت.


#سلمى_عبدالوهاب

الأربعاء، 23 أبريل 2014

الحتة الناقصة

- و بَس يا ستّى.

قالها ضاحكا، لِيَرى كيف تكون ردة فعلها، لترد متعجبةً :

- هو إيه اللى و بس؟ كمِّل!
- لأ مفيش "كمّل"، هو حلو أوى لحد كده.

 يُكمل ضحكه متابعا لها حتى بدأ يعلو صوتها غضبا :

- ماهو ما ينفعش كل مرة تعمل فيا كده، وتنهى الكلام بالطريقة دى، دايما فى حتة ناقصة.

ببرودٍ شديد مصحوبٌ بابتسامة :

- وهو ده المطلوب.
- يعنى إيه؟ أدَوَّر أنا عليها؟
- لأ! بس هى اللى على أساسها هتعرفى تقررى انتى عايزة إيه ومش عايزة إيه.
- عايزة إيه فى إيه؟ دى قصة، وانت اللى بتحكيها وعارف نهايتها، يبقى ليه بقى ماتقولهاش وتريحنى، مش هتخسر حاجة.
- مين قالِك؟ مش يمكن الحتة دى بالذات ماقدرش احكيها؟ أو مش عاوز أحكيها؟ أو يمكن مش هاحكيهالك انتى بالذات، واحكيها لحد تانى؟ والحد التانى ده حتى لو حكيتله فبردو مش هاحكيله كل حاجة، ممكن أشيل جزء من اللى قلتهولك، وهيبقى بردو نفسه يعرف كل حاجة.

بعد أن بدأت تخفض من نبرة صوتها، وتعود ملامح وجهها للهدوء، قالت له :

- مش فاهمة حاجة. وبردو ما فهمتش ايه العلاقة بين الحتة الناقصة اللى مش هتحكيها وبين قراراتك اللى هتاخدها، قرار إيه تحكى إيه ولمين يعنى ولا إيه؟
- هو مش كده بالظبط، بس هافهمك يا ستى.

يعود بظهره إلى الوراء مستندا إلى ظهر الكرسى فى استرخاء استعدادا للحديث، لتتقدم هى بجسدها نحو الطاولة وتأخذ وضعية الإنصات باهتمام، مشيرةً له بيدها ليبدأ :

- فَهِّمنى.
- كل حاجة فى حياتنا مبنية على " الحتة الناقصة " دى، وعلى أساسها بتبدأى تحددى اختياراتك وبالتالى بتاخدى قراراتك.
وده بقى فى كل حاجة، شغلك، دراستك، علاقتك باللى حواليكى، حتى عربيتك وانتى بتشتريها.
ببساطة الموضوع كله عامل زى لما تجربى اكلة فى مطعم برة وتعجبك جدا لدرجة إنك أول ما تروحى البيت تبقى عاوزة تجربيها، فتدورى على طريقتها وتعمليها، بس عمرها ما هتطلع زيها بالظبط، دايما هيبقى فى حاجة ناقصة، فتبدأى تدورى على طريقة تانية وتالتة وعمرها بردو ما هتظبط معاكى، بس فى الآخر هتستقرى على أقرب واحدة للى أكلتيها، وهتحبيها وتعمليها وتزودى انتى بنفسك عليها، ومع ذلك هتفضلى فى قرارة نفسك عارفة ومتأكدة إن فيها حاجة ناقصة.

- طب ما دام كلهم ناقصين، اشمعنى انا اخترت دى بقى؟
- ما هى دى بقى الفكرة، انتى قرارك فى الآخر بيعتمد على أنهى حتة ناقصة تقدرى تستغنى عنها بحيث إنها ماتأثرش على بقية الأكلة، وفى الأول وفى الآخر هى أذواق، يعنى اللى انا اقدر استغنى عنه هنا مش نفس اللى انتى تقدرى تستغنى عنه، وهكذا.

تسود لحظات من الصمت تبدو خلالها حائرة، ليقطع حيرتها متسائلا :

- مش فاهمة بردو؟
- هو أنا فاهمة قصدك . . . بس بردو مش قادرة أجمع إيه العلاقة بين كلامك وحياتنا نفسها؟ قصدى إن أكيد علاقاتنا معقدة اكتر بكتير من مجرد اختيارات مبنية على حتة ناقصة، يعنى لو مشينا كلامك على العربية والشغل وكل الحاجات المادية اللى فى حياتنا، عمرنا ما هنقدر نطبقه على الحاجات المعنوية، زى الحب والصداقة والجواز وغيره.
- جميييييييل ! امسكى فى النقطة دى بقى وفكرى فيها شوية كده عقبال ما اقوم أدخل الحمام وارجعلك.

يقوم من مقعده تاركا لها تلك الكلمات لتفكر فيها، تحاول أن تجد ذلك الرابط بين حكاياته وبين ما يخبرها به الآن، لماذا يكون غامضا دائما، كثيرا ما تكره طريقته فى الكلام التى تجعل كل شئ يبدو معقدا  هكذا، ورغم ذلك فهى تعشق فلسفته للحياة، فكان هذا هو ما جذبها إليه فى البداية.

- اتأخرت عليكى؟

عاد بسؤاله ذاك ليشد كرسيه إلى الطاولة يجلس متكئا عليها، يرشف القليل من كوب الماء الموضوع أمامه، ليستطرد فى حديثه طارحا عليها سؤالا آخر :

- قوليلى . . . إيه الفرق بين الحب والصداقة - بين ولد وبنت طبعا -؟ او بمعنى آخر، إيه اللى بيخلى صداقة تفضل صداقة وصداقة تقلب بحب؟
- هممم . . . مش عارفة، بس غالبا يعنى ان اللى قلبت بحب دى عشان هم الاتنين لقوا فى بعض الحاجة اللى كانوا بيدوروا عليها فى الطرف التانى، واللى كملوا اصحاب بس يا إما ما لقوهاش يا إما . . . لأ، مش عارفة!
- جميل . . . معنى كلامك ان الاتنين اللى قلبت معاهم بحب ما بقاش عندهم حتة ناقصة، بس اللى كملوا اصحاب عندهم؟
- متهيألى . . . أصل اشمعنى دول كملوا والتانيين لأ؟
- عشان اللى كملوا شافوا انهم يقدروا يعيشوا بالحتة الناقصة اللى عند التانى، مقارنةً بالحتت الناقصة اللى عند اصحابهم التانيين.
زى الأكلة بالظبط.
عشان كده كنت بقولك ان الحتة الناقصة هى اساس علاقتك بكل الناس اللى حواليكى، كل ما الحاجات الناقصة اللى عند اللى قدامك تبقى كتير كل ما يبقى الاختيار اسهل، وكل ما بقى اسهل عليكى تحطى مين فى الاصحاب اللى تخرجى معاهم بس، ومين اللى تحبى تتكلمى معاه، ومين يبقى صاحبك اوى، والأصعب دايما - أو اللى الناس شايفاه الأصعب - هو مين اللى تحبيه وتقررى تكملى حياتك معاه.

- يعنى إيه اللى الناس شايفاه الأصعب؟ هو فى اصعب من كده؟
- آه.
بس هو عشان يمكن مش كل الناس عارفاه فمش واخد حقه، وبالتالى مش محطوط له تعريف فى قاموس العلاقات المتعارف عليها.
ممكن تكونى ما جربتيهوش، بس انا شايفه أصعب اختيار فيهم. الشخص اللى علاقتك بيه مش صداقة قوية، لأ هو أزيد حتة، ويمكن حتة كبيرة كمان يمكن توصل للحب، بس فى نفس الوقت أقل من الحب حتة، الحتة اللى ما تخليهوش يستمر ويكمل لجواز.
هيفضل متعلق كده فى النص، مع إنه فى مفهومى الشخصى هو أحسن نوع فى التلاتة، عشان بيبقى مبنى على تفاهم روحى حصل بين الاتنين، بيبقوا فاهمين بعض من غير كلام، بيبقوا محتاجين لبعض جدا، وبيعرفوا ازاى يستحملوا بعض كويس أوى, كل حاجة بينهم بتبقى مختلفة، بس المشكلة بتبقى فى إنهم صعب يكملوا.
- طب ليه صعب؟ 
- عشان مفيش حاجة حلوة أوى كده بتكمل كده، وعشان بردو بيبقى فى بينهم حتة ناقصة، اصلا فى احتمال كبير ان يبقى حد فيهم بيحب حد تانى، بس كان محتاج حد يفهم، ولما لقاه افتكر انه بيحبه، بس بعدين بيكتشف انه بيحب حاجة فيه او يمكن يكون فعلا بيحبه، بس الحب اللى هو مش حب، حب من نوع تانى، حب غالبا يوم ما يحتاج يقرر يستغنى عن واحد فيهم هيستغنى عنه، ويرجع لحبه الأصلى، حتى لو فيه حتة ناقصة.
فاهمة حاجة؟

تصمت قليلا، وترجع بظهرها إلى الوراء، تسند ذراعيها على يدى الكرسى، وبابتسامة واثقة، ونبرة هادئة :


- هو أنا فاهمة . . . بس فى حاجة
- إيه هىَّ؟
- أنا بقى؟ أبقى انهى واحدة فيهم؟.



#سلمى_عبدالوهاب

السبت، 1 مارس 2014

قرار

-          أقولك على سر ؟

قالتها وهى تفرغ كيس السكر فى فنجان الشاى الموضوع امامها، وتقلبه فى هدوءٍ واضح دون ان تنظر إليه

-          أنا باشرب الشاى بالسكر لما بكون مصدعة بس

ضحكت، فابتسم تلك الابتسامة الخفيفة لتستطرد فى حديثها قائلةً

-          لأ بجد، أقولك على سر؟
-          قولى
-          أنا يوم ما قررت إنى أحبك، كنت عارفة إنى هاتوجع اوى.
-          قررتى؟ وهو الحب كمان فيه قرارات؟
-          كل خطوة فى حياتنا محتاجة قرار، الحاجة الوحيدة اللى ما بناخدش فيها قرار هى لما ب"نُقَع"


تصمت قليلا، وتضع الملعقة جانبا لترفع الفنجان وترتشف منه قليلا فتراه ينظر لها متعجبا عاقدا حاجبيه

-          ماتبصليش أوى كده كإنك مش فاهم!
-          طب مانا فعلا مش فاهم!
-          مش فاهم إيه بالظبط؟ كلامى؟ ولا إنى بحبك؟
-          الاتنين!
-          تبقى بتكدب.


وقبل أن يقاطعها بنظرات تحمل الكثير من التساؤلات، أكملت قائلة

-          يوم ما جيتلى عشان تحكيلى كل حاجة حصلت فى حياتك قبل كده وانت لسة ماتعرفنيش، كنت مستغربة أوى زيك كده دلوقتى، وكنت دايما بسأل نفسى طب هو ليه بيحكيلى أنا كل ده، ومع ذلك سبتك تحكى عشان كنت عارفة يعنى إيه يبقى نفسك تتكلم من غير ما حد يرد عليك، إنك تلاقى حد يسمعك حتى لو مش قادر يفهمك، ومع ذلك كنت فاهماك أوى، وحاساك أوى، كنت حاسة قد إيه انت موجوع، زيى انا كده دلوقتى.
بس عارف إيه الفرق اللى بينى وبينك؟


يعتدل فى جلسته ليستمع لها باهتمام أكثر، بينما كانت لا تزال تحرك سبابتها على طرف الفنجان فى حركات دائرية مستمرة, لتكمل :


-        الفرق إنك ماكنتش عارف إنك هتتوجع كده، بس انا بقى كنت عارفة ومع ذلك كنت راضية، يمكن عشان كنت حاسة إن ممكن حاجة تتغير
طبعا هتقوللى وده إيه علاقته بالحب والقرار؟


يومئ رأسه بالإيجاب مشيرا لها أن تستكمل ما كانت تقوله


-       هقولك،الفكرة كلها إنى فضلت ماشية معاك لحد ما فجأة وقعت
حتى مش عارفة ساعتها وقعت عشان ماكنتش واخدة بالى ولا عشان كنت باستهبل
المهم إنى وقعت، والمشكلة إن ده اللى ناس كتير بتقول عليه الحب، بس الواقعة دى بتبقى بس مرحلة الانبهار، حاجة بتشدك أوى وانت مش فاهم ليه بس فى نفس الوقت مبسوط بيها، شوية ويا إما هتزهق منها يا إما هتبتدى تشوف فيها العيوب اللى ماكانتش باينالك قبل كده من كتر ما انتَ كنت منبهر بيها
وهنا بقى بييجى القرار، إنك تقوم تقف ولا تكمل واقع!



قالتها لترتفع ببصرها إليه، فتجده محدقا إليها فى ذهول يغلفه الصمت لتقتطعه هى بضحكتها المعتادة


-          ما تمثلش بقى
-          مش بمثل، بس مش لاقى رد بصراحة
-          وانا مش مستنية منك رد، أنا بس باحكيلك، زى ما كنت بتحكيلى، الفكرة بس إنى باحكيلك عنك، فيمكن عشان كده انت مستغرب
-          بس . . . أصل . . .


تقُاطعه فى سرعة

-          انا مش بقولك كده عشان تقوللى أصل وفصل، ولا عشان أحسسك بالذنب مثلا، ماتخافش أنا أقوى من كده ميت مرة، ومش مستنية مثلا إنك تقوللى إنك حاولت تحبنى وماعرفتش
 الحب مافهوش محاولات، يا آه يا لأ
-          مش لسة بتقولى الحب قرار؟!
-          قرار لما تبقى أصلا حاسس بحاجة ناحية اللى قدامك ده، فتقرر ساعتها إنك تحبه، إنك تكمل معاه بكل حاجة فيه وحشة وحلوة
 لكن عمره ما بيبقى قرار إنك تحسه
 من الآخر كده، عُمرك قررت إنك تُقَع؟


                                                                                                                                           تمت.

                                                                                                                               #سلمى_عبدالوهاب

الأحد، 5 يناير 2014

ازيك يا دكتورة ل سلمى عبدالوهاب

" ازيك يا دكتورة؟ "

مجموعة قصصية تصدر عن دار المصرى للنشر والتوزيع

تصميم الغلاف : أحمد فرج
مراجعة لغوية : حنان الشافعى

تجدونه فى معرض القاهرة الدولى للكتاب 2014
بجناح دار المصرى فى صالة 2 و صالة ألمانيا ب


الخميس، 26 ديسمبر 2013

فى انتظار . . . "3"

وعلى صوت أذان الفجر, تستيقظ من نومها, تقوم وتأخذ حماما ساخنا, لتطرأ على ذهنها تلك الفكرة.
تخرج لتقف فى مواجهة النافذة المفتوحة, بينما لا تزال قطرات الماء تتساقط من خصلات شعرها المموجة المبللة, تشعل سيجارة وتنفث دخانها فى الهواء البارد الذى يضرب بوجهها. تمسك السيجارة بيد, بينما تضم يدها الأخرى إلى صدرها, تلقى بنظرة طويلة المدى إلى الأسفل, ليفاجئها جرس ساعة المنبه كما اعتاد أن يدق فى تلك الساعة من كل يوم. 
تقذف بالسيجارة خارجا, وتغلق الستار, ومن ثم تتجه إلى الدولاب لاختيار ما ترتديه, فتضع معطفا أسود من التويد, وتحليه بوشاح قرمزى اللون, مرتدية حذاءها الجلدى وحقيبتها الcross. تقف أمام المرآة قليلا تحاول أن تلملم شعرها لتقرر فى النهاية أن تتركه منسدلا أسفل ظهرها, ومن ثم تتجه خارج الغرفة وتصفع الباب من خلفها.

-صباح الخير يا حبيبتى
-صباح الخير يا ماما, معلش مستعجلة
-مش هتفطرى يعنى ؟
-لأ مش هالحق, يلا سلام

تنزل الدَرَج مُهرولةً, وتقف فى الشارع منتظرة.

- تاكسى ؟
-على فين ؟
-محطة مصر لو سمحت !

تصعد إلى السيارة, وتترك الشباك مفتوحا لتشعر بالهواء يتغلغل إلى صدرها, تأخذ نفسا عميقا وترتسم على وجهها ابتسامة صافية استطاعت أن تشع النور فى ملامحها, ابتسامة ربما كانت قد نسيتها منذ زمن.
لم يمض الكثير لتجد نفسها امام المحطة, تترجل خارج السيارة, وهناك عند شباك التذاكر تقف 

-تذكرة لاسكندرية لو سمحت!


تصعد إلى القطار, وتتجه إلى مقعدها الكامن بجوار النافذة, تسمع الصافرة معلنة بدء تحرك القطار, وتبدأ الرحلة.
ظلت طوال الطريق مُحلقة بالخارج, تستمع إلى صوت احتكاك عربات القطار بالقضبان الحديدية, لم تنتبه إلى أى مما كان يحدث حولها, فقط تنظر وتفكر فى آخر مرة سافرت فيها إلى الأسكندرية, كان ذلك منذ زمن. 
تفكر فى آخر مرة قامت بشئ كانت تود القيام به حقا, شئ أرادته, شئ أحبته. حقيقةً هى لا تتذكر, ولا تعرف لماذا, ولكن يبدو أن كل آخر مرة فى حياتها كان قد مضى عليها الكثير من الوقت, بينما كانت منهمكة فى عملها.


وعلى ذكر العمل, تتذكر هاتفها المحمول فتخرجه من حقيبتها, تنظر إلى سجل المكالمات لتجد رقمه مدونا فى مكالمات البارحة. تحاول أن تستعيد بعضا مما قالته فى تلك المحادثة فلا تستطيع, كل ما كانت تذكره انها توقعت اتصاله بها عنها, لا ليتحدث عن العمل, فلم تتمالك أعصابها وصرخت فيها غاضبةً.
ليتنى كنت أتذكر ما قلته له حتى أستوعب حقيقة ما يحدث لى الآن.
تغلق هاتفها مرة أخرى, وتسترسل فى أفكارها. كم كانت تكره ألا تكون على دراية بما يجول بداخلها, ألا تعى حقيقة مشاعرها.
هل تحبينه ؟ لا لا كفاكِ هراءً, إذا لماذا غضبت منه حينها ؟ فربما كنتِ تكنين له بعض المشاعر التى لا تدرين عنها شيئا, وربما كنتِ تعلمين ولم تتجرأى يوما على البوح بها حتى لا تضطرى إلى التعلق به خشية أن تضطرى إلى أن تتخلى عنه.


لم تنتبه إلى الساعة إلا والقطار يتوقف. تحمل حقيبتها وتتجه إلى الخارج.
لدقائق تقف متأملة الشارع, السيارات, الناس, منتشية ببرودة الهواء, تستنشق رائحة البحر, تغمض عينيها وتفرد ذراعيها, لأول مرة كانت تشعر بانها حرة.
لحظات وتبدأ السحب بالتكتل فوقها, لتنهمر الامطار بغزارة, فتضفى على المشهد جوا حميميا للأسكندرية فى الشتاء. كانت سعيدة, فرحة, أخت تضحك منطلقةً فى الشوارع, تتجول بين هنا وهناك, حتى انقضى النهار سريعا لتجد نفسها وقد قادتها قدماها إلى ذلك الشاطئ الذى اعتادت القدوم إليه وهى صغيرة. وقفت تتامل غروب الشمس ولمحة الحزن فى عينيها, تعلم ان تلك اللحظة لم تكن إلا النهاية ليومٍ لم تكن تريد له أن ينتهى وهى على علمٍ بانها ستعود فى الغد إلى ما كانت عليه, مكبلةً بقيود الحب, والعمل, والمجتمع.


مجتمع به أناس يتكلمون بلغةٍ غير تلك التى تتحدث بها, يخضعون أنفسهم لتقاليد هم مبتدعوها, ويجرمون غيرهم بقوانين هم صائغوها.
وعملُ أبغضه, ولا اجد لنفسى شيئا فيه ومع ذلك فأنا مستمرة به عملا بتلك المقولة " حب ما تعمل حتى تعمل ما تحب", ولا ادرى حقا من ذلك الأحمق الذى ألفها وجعل الناس منها حجة للاستسلام للامر الواقع, فكيف بى ان اجد ما أحب وأنا غارقة فى وحل ما أكره.
حب ؟ بل هى مجرد مشاعر أكاد لا أعرف عنها شيئا, وبالرغم من ذلك تؤرقنى, تقيدنى, ولا اعرف كيف التخلص منها.


"فماذا تنتظرين إذا ؟ اللحظة المناسبة ؟ أنتِ تضحكين على نفسك, فلا يوجد فى الحقيقة ما يسمى باللحظة المناسبة، ولكم أهدرنا من العمر زمنا فى انتظارها، ومع ذلك فإننا نهوى اتخاذها عذرا مناسبا لكل ما نتعذر عن القيام به، وسيلة لعدم الإقدام على خطوة ما نخشى ما قد يحدث على إثرها، دافعا للتخلى عن أشياء لطالما حلمنا بها ولم نملك من الشجاعة ما يكفى لأن نحارب من أجلها."


فجأة يصبح الجو أكثر برودة, فتلف الوشاح حول جسدها بقوة, تنظر إلى الساعة لتجد انها قد تخطت العاشرة, فتخرج هاتفها وتفتحه لتتصل بوالدتها وتطمئنها, وما إن ردت عليها حتى صاحت فيها

- انتى فين كل ده ؟ وموبايلك مقفول ليه طول اليوم ؟ كنت هاتجنن عليكى, واتصلت بيكى فى الشغل فالولى ماجاتش أصلا

انتظرت حتى تفرغ كل ما بداخلها من غضب, وبدأت نبرتها فى الهدوء لتقول لها 

-أنا فى اسكندرية, وماقلتلكيش عشان كنت عارفة انك مش هتوافقى, بس اتطمنى انا كويسة, راجعة بكرة الصبح ماتقلقيش عليا


قالتها ولم تنتظر ردا منها, لتغلق هاتفها وتذهب باتجاه وسط المدينة. كانت تتضور جوعا, فذهبت لشراء شيئا لتأكله.
ظلت تمشى إلى أن أنهكها التعب, ولم يكن عندها علم عن كيفية قضائها لما تبقى من ساعات الليل, فاتجهت إلى محطة القطار لتجلس هناك, وأخذت تتابع القلة ممن كانوا متواجدين فى ذلك الوقت, تدقق فى وجوههم وتتساءل كيف ستؤول بهم مصائرهم.
من فرط التعب, غفت قليلا لتستيقظ على الكثير من الأصوات من حولها, تفتح عينيها لتجد أن المحطة قد بدأت تدب فيها الحركة.
تقوم لتشترى كوبا من القهوة, وتجلس تشربها فى انتظار القطار.
فى رحلة العودة لم تستطع إلا أن تنام, لتصحو عند بلوغها القاهرة.



تخرج من المحطة فى اتجاهها إلى الشركة التى تعمل بها, وهناك تدخل لتجده جالس إلى مكتبه يرتشف القهوة, تضع ورقة بيضاء على المكتب, فينظر إليها متسائلا متعجبا 

-إيه دى ؟
-استقالتى !
-نعم ؟ ليه ؟
-عشان انا مكانى مش هنا, وعمره أصلا ما كان هنا, انا طول عمرى بحب التصوير والإخراج, مش فاكرة امتى ولا ازاى شلت الفكرة دى من دماغى و وافقت إنى آجى واشتغل هنا, بس خلاص أنا قررت مش هاعمل تانى حاجة انا مش عاوزاها, كفاية اوى لحد كده

تمشى باتجاه الباب, تاركةً إياه مذهولا بصمته لا يعرف ماذا يقول لها, وبينما هو كذلك فإذا بها تعود وتلتفت له  وتقول له بابتسامةٍ غريبة

- آه وعلى فكرة, انا تقريبا بحبك, مش متأكدة بالظبط بس انا عارفة إنى بَغير عليك جدا وانك بتوحشنى جدا,
بس انا زهقت ومش ناوية أضيع وقتى فى إنى افضل مستنية إنك تنطق أو إنى أتأكد من إنك بتحبنى او لأ,  والحقيقة بقى انى بعد ما قلتها دلوقتى مابقتش مهتمة إنى أعرف, المهم إنى قلتها عشان مافضلش مستنية, عشان ماكملش حياتى كلها فى انتظار.




                                                                                                                  >>> تمت.
                                                                                                             -سلمى عبدالوهاب-

السبت، 21 ديسمبر 2013

فى انتظار . . . "2"

-لا ولا يهمك يا عم حسين, أنا مش هروح الشغل انهردة, هاخده أجازة.

حياها بابتسامته المعهودة, ومن ثم أغلق باب الحافلة وانطلق.

" أجازة ؟ ", " مش هروح الشغل ؟ "
أخذت تردد تلك الكلمات على مسامعها وهى تعود أدراجها إلى داخل العمارة التى تقطن بها, كان يبدو عليها أنها لم تخطط لذلك, بل فاجأتها نفسها وهى تتفوه بها. تصعد الدرج فى حالة من اللا مبالاة, تحاول أن تجد تفسيرا لما حدث فلا تجد, ولكن يبدو ان عقلها كان فى حاجة إلى الراحة, فنطق عنها قبل أن تفكر فيها حتى. 
تقرع باب الشقة, فتفتح والدتها لتتفاجأ 

-خير فى إيه ؟ نسيتى حاجة ولا إيه ؟
- لأ !
-لأ ؟ أمال إيه, مش هتروحى الشغل انهردة ؟
- لأ !
-هو كله لأ لأ ؟ يا بنتى ماتفهمينى بس جرى إيه 
- مفيش يا ماما, مليش مزاج أروح الشغل النهاردة, أنا داخلة الأوضة ومش عايزة حد يزعجنى لو سمحتى

كانت ترد عليها دون النظر إليها مباشرة, كمن كان يخشى المواجهة, فهى تعرف كم كانت والدتها تستطيع أن تعرف ما بها بمجرد النظر فى عينيها, ومن بعدها تبدأ مرحلة الاستجواب, ويكفى لها أن تضمها إلى صدرها لتبوح لها بكل ما يدور بخلدها, لذا آثرت أن تتحاشاها حتى لا تضطر إلى الخوض فى كلام هى نفسها لا تجد له معنى حتى الآن.
تتركها متجهة إلى غرفتها, تملؤها الحيرة, وقد انتابها القلق على ابنتها, ولكنها فضلت أن تتركها وحدها حتى تهدأ وتأتى لتحكى لها بنفسها.


تدخل إلى الغرفة, تخلع حذاءها, تشد الوشاح من حول رقبتها بقوة وتقذف به بعيدا وتأخذ نفسا عميقا تسمع صوته وهى تزفره.
وقبل أن تنتبه كانت قد ارتمت بين جنبات السرير ولم تكن إلا ثوانٍ لتغط فى نوم عميق.
لم يكن قد مضى الكثير من الوقت على غفوتها, ساعة ربما او أكثر قليلا, ولكنها قد شعرت بانها كمن نام اليوم كله حين استيقظت على صوت جرس هاتفها المحمول. فى البداية أحست بأنه جزءا من الحلم, ولكنها أدركت بعدها بأنه يرن فى الحقيقة, فأخذت تتحسس مكانه باتباع مصدر الصوت, وأخيرا تمكنت من أن تجده ولكن بعد أن كان قد توقف عن الرنين.
تفتح عينيها مرغمة, تنظر إلى شاشة هاتفها لتجد 3 مكالمات لم يرد عليها أحد, وبينما هى كذلك إذ يرن هاتفها للمرة الرابعة, فيفلت منها فَزِعة, ثم تعود لتحمله مرة أخرى, تمعن النظر فى الاسم الظاهر على الشاشة "هو ؟"

تساءلت متعجبة, ترد بنبرة متعالية 
-ألو . . .
ليأتيها الصوت من الناحية الاخرى حانقا, صاخبا, تستطيع أن تستشعر منه كمية الغضب الكامنة بداخله 
-إنتى فين ؟
تبتسم فى داخلها, ولكنها تعاود لترد عليه ببرود 
-فى البيت
بنبرة أكثر غضبا 
-فى البيت ؟ بتعملى إيه فى البيت ؟ إنتى ناسية إن عندنا اجتماع مهم جدا النهاردة وسيادتك لازم تكونى موجودة؟ يلا قومى و. . . . .


لم يكد أن ينهى جملته حتى انفجرت فيه غاضبة, كانت تبدو عليها العصبية الشديدة, بحيث لم يستطع أن يستوعب ما جرى حقا, فلحظة كانت باردة وفى اللحظة التى تليها كانت قد استشاطت غضبا. لم يعهدها هكذا من قبل, فقد كانت دوما هى تلك المراة الدبلوماسية التى تتمنع بحنكتها وهدوء أعصابها حتى فى أصعب المواقف, لم تظهر يوما غضبا رغم ضيقها ومهما اشتد بها من البلاء, كانت خبيرة فى مواجهة الامور والخروج من الأزمات, وإذا كان الأمر يزعجها حقا كانت تصمت لفترة لا تكلم أحدا ولا تشكو شيئا, حتى لى, إلى أن تهدأ وتتمالك نفسها وتكون حينها قد اتخذت قرارا بما يجب عليها أن تفعله فيما تمر به. 
لم أرها يوما على هذه الحالة, إذا فلا بد أن فى الأمر شيئا, وإلا لما كانت لتتغيب اليوم عن الحضور إلى العمل دون سابق إنذار, وبالتالى لم تكن لتهب فىَّ هكذا كالإعصار حتى إننى لم أفهم شيا من كلامها قبل أن تقرر تقطع المكالمة وتغلق هاتفها فى وجهى.


تضع الهاتف جانبا بعد أن تأكدت من إغلاقه هذه المرة, تنظر إلى الساعة لتجد انها لم تتخطى بعد العاشرة صباحا, فتسحب الغطاء وتلتحف به من أخمص قدميها حتى وجهها, كانت تريد الهروب من ذلك العالم من حولها, لم تكن تريد شيئا إلا الصمت.
أخذت تتقلب يمنةً ويسارا فى محاولة منها لتعود لتستكمل نومها مرة اخرى. كانت تشعر بالألم يعتصرها من الداخل, تئن وتتوجع, حتى شعرت بأن روحها تتآكل, حاولت أن تبكى فلم تستطيع.
شيئا فشيئا خفتت الأصوات بالخارج, وثقلت أجفانها, وسكنت روحها, لتعود وتغط فى سبات عميق, لم تصحو منه إلا فى اليوم التالى.


مضى بقية اليوم فى هدوء على غير العادة, كل فترة تدخل والدتها إلى الغرفة لتتفقدها, كانت تعلم بأن هناك خطب ما, ولكنها لم ترد أن تزعجها, وقد سمعتها فى الصباح وهى تتشاجر مع احدهم على الهاتف, تُرى من يكون ولم كانت تبدو عنيفة بتلك الطريقة.
توشك الشمس على المغيب, تدخل إليها وتسألها " انتى هتفضلى نايمة ؟ "
لا ترد, فتزيح الغطاء عن وجهها لتطمئن عليها, فتجدها هادئة مستكينة. تقف قليلا تتاملها, تمسح على رأسها وتقبلها, ومن ثم تخرج وتغلق الباب وراءها.


وعلى صوت أذان الفجر, تستيقظ من نومها, تقوم وتأخذ حماما ساخنا, لتطرأ على ذهنها تلك الفكرة . . . 



                                                                                         >>> يُتبع
                                                                                      -سلمى عبدالوهاب-

المتابعون