الأربعاء، 25 ديسمبر 2013

أنا الكلمة

انا الكلمة ما بين سطرين
بقت تايهة وعمالة تتاخر


أنا الهمزة اللى فى الأول
وانا النقطة اللى فى الآخر


انا الفتحة اللى فوق السطر
وانا الكسرة اللى بتعافر


وانا الضمة اللى بين الاتنين
ومش عارفة تروح على فين


أنا الشَدَّة فى وقت الضيق
ويوم ما ازهق بحط سكون


أنا الحرف اللى عاش ساكت
ويوم ما نطقت, بقيت مجنون

السبت، 21 ديسمبر 2013

فى انتظار . . . "2"

-لا ولا يهمك يا عم حسين, أنا مش هروح الشغل انهردة, هاخده أجازة.

حياها بابتسامته المعهودة, ومن ثم أغلق باب الحافلة وانطلق.

" أجازة ؟ ", " مش هروح الشغل ؟ "
أخذت تردد تلك الكلمات على مسامعها وهى تعود أدراجها إلى داخل العمارة التى تقطن بها, كان يبدو عليها أنها لم تخطط لذلك, بل فاجأتها نفسها وهى تتفوه بها. تصعد الدرج فى حالة من اللا مبالاة, تحاول أن تجد تفسيرا لما حدث فلا تجد, ولكن يبدو ان عقلها كان فى حاجة إلى الراحة, فنطق عنها قبل أن تفكر فيها حتى. 
تقرع باب الشقة, فتفتح والدتها لتتفاجأ 

-خير فى إيه ؟ نسيتى حاجة ولا إيه ؟
- لأ !
-لأ ؟ أمال إيه, مش هتروحى الشغل انهردة ؟
- لأ !
-هو كله لأ لأ ؟ يا بنتى ماتفهمينى بس جرى إيه 
- مفيش يا ماما, مليش مزاج أروح الشغل النهاردة, أنا داخلة الأوضة ومش عايزة حد يزعجنى لو سمحتى

كانت ترد عليها دون النظر إليها مباشرة, كمن كان يخشى المواجهة, فهى تعرف كم كانت والدتها تستطيع أن تعرف ما بها بمجرد النظر فى عينيها, ومن بعدها تبدأ مرحلة الاستجواب, ويكفى لها أن تضمها إلى صدرها لتبوح لها بكل ما يدور بخلدها, لذا آثرت أن تتحاشاها حتى لا تضطر إلى الخوض فى كلام هى نفسها لا تجد له معنى حتى الآن.
تتركها متجهة إلى غرفتها, تملؤها الحيرة, وقد انتابها القلق على ابنتها, ولكنها فضلت أن تتركها وحدها حتى تهدأ وتأتى لتحكى لها بنفسها.


تدخل إلى الغرفة, تخلع حذاءها, تشد الوشاح من حول رقبتها بقوة وتقذف به بعيدا وتأخذ نفسا عميقا تسمع صوته وهى تزفره.
وقبل أن تنتبه كانت قد ارتمت بين جنبات السرير ولم تكن إلا ثوانٍ لتغط فى نوم عميق.
لم يكن قد مضى الكثير من الوقت على غفوتها, ساعة ربما او أكثر قليلا, ولكنها قد شعرت بانها كمن نام اليوم كله حين استيقظت على صوت جرس هاتفها المحمول. فى البداية أحست بأنه جزءا من الحلم, ولكنها أدركت بعدها بأنه يرن فى الحقيقة, فأخذت تتحسس مكانه باتباع مصدر الصوت, وأخيرا تمكنت من أن تجده ولكن بعد أن كان قد توقف عن الرنين.
تفتح عينيها مرغمة, تنظر إلى شاشة هاتفها لتجد 3 مكالمات لم يرد عليها أحد, وبينما هى كذلك إذ يرن هاتفها للمرة الرابعة, فيفلت منها فَزِعة, ثم تعود لتحمله مرة أخرى, تمعن النظر فى الاسم الظاهر على الشاشة "هو ؟"

تساءلت متعجبة, ترد بنبرة متعالية 
-ألو . . .
ليأتيها الصوت من الناحية الاخرى حانقا, صاخبا, تستطيع أن تستشعر منه كمية الغضب الكامنة بداخله 
-إنتى فين ؟
تبتسم فى داخلها, ولكنها تعاود لترد عليه ببرود 
-فى البيت
بنبرة أكثر غضبا 
-فى البيت ؟ بتعملى إيه فى البيت ؟ إنتى ناسية إن عندنا اجتماع مهم جدا النهاردة وسيادتك لازم تكونى موجودة؟ يلا قومى و. . . . .


لم يكد أن ينهى جملته حتى انفجرت فيه غاضبة, كانت تبدو عليها العصبية الشديدة, بحيث لم يستطع أن يستوعب ما جرى حقا, فلحظة كانت باردة وفى اللحظة التى تليها كانت قد استشاطت غضبا. لم يعهدها هكذا من قبل, فقد كانت دوما هى تلك المراة الدبلوماسية التى تتمنع بحنكتها وهدوء أعصابها حتى فى أصعب المواقف, لم تظهر يوما غضبا رغم ضيقها ومهما اشتد بها من البلاء, كانت خبيرة فى مواجهة الامور والخروج من الأزمات, وإذا كان الأمر يزعجها حقا كانت تصمت لفترة لا تكلم أحدا ولا تشكو شيئا, حتى لى, إلى أن تهدأ وتتمالك نفسها وتكون حينها قد اتخذت قرارا بما يجب عليها أن تفعله فيما تمر به. 
لم أرها يوما على هذه الحالة, إذا فلا بد أن فى الأمر شيئا, وإلا لما كانت لتتغيب اليوم عن الحضور إلى العمل دون سابق إنذار, وبالتالى لم تكن لتهب فىَّ هكذا كالإعصار حتى إننى لم أفهم شيا من كلامها قبل أن تقرر تقطع المكالمة وتغلق هاتفها فى وجهى.


تضع الهاتف جانبا بعد أن تأكدت من إغلاقه هذه المرة, تنظر إلى الساعة لتجد انها لم تتخطى بعد العاشرة صباحا, فتسحب الغطاء وتلتحف به من أخمص قدميها حتى وجهها, كانت تريد الهروب من ذلك العالم من حولها, لم تكن تريد شيئا إلا الصمت.
أخذت تتقلب يمنةً ويسارا فى محاولة منها لتعود لتستكمل نومها مرة اخرى. كانت تشعر بالألم يعتصرها من الداخل, تئن وتتوجع, حتى شعرت بأن روحها تتآكل, حاولت أن تبكى فلم تستطيع.
شيئا فشيئا خفتت الأصوات بالخارج, وثقلت أجفانها, وسكنت روحها, لتعود وتغط فى سبات عميق, لم تصحو منه إلا فى اليوم التالى.


مضى بقية اليوم فى هدوء على غير العادة, كل فترة تدخل والدتها إلى الغرفة لتتفقدها, كانت تعلم بأن هناك خطب ما, ولكنها لم ترد أن تزعجها, وقد سمعتها فى الصباح وهى تتشاجر مع احدهم على الهاتف, تُرى من يكون ولم كانت تبدو عنيفة بتلك الطريقة.
توشك الشمس على المغيب, تدخل إليها وتسألها " انتى هتفضلى نايمة ؟ "
لا ترد, فتزيح الغطاء عن وجهها لتطمئن عليها, فتجدها هادئة مستكينة. تقف قليلا تتاملها, تمسح على رأسها وتقبلها, ومن ثم تخرج وتغلق الباب وراءها.


وعلى صوت أذان الفجر, تستيقظ من نومها, تقوم وتأخذ حماما ساخنا, لتطرأ على ذهنها تلك الفكرة . . . 



                                                                                         >>> يُتبع
                                                                                      -سلمى عبدالوهاب-

الأربعاء، 4 ديسمبر 2013

فى انتظار . . .

فى أحد أيام ديسمبر الباردة, وكعادتها كل صباح, فى السادسة, تنزل لتقف عند أول الشارع فى انتظار الحافلة التى تقلها إلى العمل. تقف متلفحةً بوشاحٍ هندى, مرتدية سترة قرمزية اللون, وتفرك كفيها بقوة من شدة البرد, ومن ثَمَّ ترتفع بنظرها إلى الأعلى لتجد السماء ملبدة بالغيوم, فتضفى عليها إحساسا بالكآبة, وكأن الحياة قد سلِبَت منها.

فكم كانت تكره حين تتغيب الشمس عن الحضور, فذلك وحده كان كفيلا بأن يفسد يومها. ظلت تحدق قليلا فى السماء وكأنما كانت تستجدى الشمس للمجئ, ألا يكفى أن الجو لا يزال متقلبا, فكل يوم هو فى حال, مرة يكون حارا دافئا, واليوم التالى يكون جافا باردا, يكاد أن يشبهه فى كل شئ, ولكن على الأقل فالجو هكذا على الجميع, أما هو, فتقلبات وجهه لا تظهر لأحد إلا لها وحدها.

تنظر إلى ساعتها, وتمتد ببصرها باتجاه الشارع لعلها تلمح الحافلة, ولكن ما من شئ يلوح لها فى الطريق, فتتعجب, فليس من العادة أن تتأخر هكذا, ولكن لا يهم, فقد كانت تحاول أن تحيد بفكرها عنه ولكنها لم تستطع, لتعود وتفكر فيما حدث البارحة.

تعلم جيدا أن ما حدث ليس بالأمر الجلل, وأنه لم يكن عليها أن تلقِ له بالا, ولكنها قد تألمت فى داخلها, ولا تعرف لذلك الألم سببا, ولكن كيف له أن يراها بعد تلك المدة الطويلة, ولا يلقى عليها التحية, وهى تعلم جيدا انه قد رآها وقد تلاقت أعينهما مرات, فى كل مرة كانت تظن أنه سيتقدم نحوها, كان يذهب ليقف مع جمع من الناس لا تعرفهم بحيث لا يتسنى لها حتى فرصة أن تبادر هى بالسلام عليه.

فى تلك الليلة, ظلت لساعات تفكر, هل تلومه على ما فعل, أم تكتفى بتأنيبه, ولكن ماذا تقول له, وحتى لو عرفت جيدا ماذا تقول, بأى حق سوف تقوله, فما الذى يجمع بينهما إذا فيُسوِّل لها أن تعاتبه على فعلٍ كهذا, وماذا إذا لم يفعل ذلك عمدا, وأنه حقا لم يرها كما خُيِّل إليها, فماذا يكون العمل إذَن.

ظلت واقفة هكذا, شريدة الذهن, تُسائل نفسها ما الذى قد دهاها, وكيف لمثل تلك الأشياء أن تشغل تفكيرها, حتى تنبهت إلى صوت آلة التنبيه الصادر عن الحافلة ينبئ بوصولها, وما إن وصلت حتى فُتح الباب, ليظهر من خلفه وجه سائق بسيط يقول لها بابتسامة 
- اتفضلى يا أستاذة, معلش اتأخرت عليكى

فتنظر إليه بابتسامةٍ مماثلة لا تعرف مصدرها
-لا ولا يهمك يا عم حسين, أنا مش هروح الشغل انهردة, هاخده أجازة.


                                                                                                                       -تمت-
                                                                                                           -سلمى عبدالوهاب-

الجمعة، 29 نوفمبر 2013

كيف ننتهى ؟

لا أظن أن أحدا منا لم يمر فى حياته بتجارب باءت بالفشل, وصداقات قد انتهت, وعلاقات لم تكتمل . . . ربما يكون معظمها قد انتهى بسبب خلاف ما أو مشكلة, ولكن هل تساءلت يوما عن تلك التى انتهت هكذا, فجأة, دون سبب واضح يذكر ؟ دون أدنى تبرير لما حدث ؟


تطرق إلى ذهنى ذلك السؤال, وبدأت أفكر فى أن هناك سبب لكل ما يحدث فى تلك الدنيا, حتى علاقاتنا بالآخرين, فكل صداقة او علاقة كان لها سببا ما هو الذى أدى إلى أن تبدأ, حتى ولو كان سببا تافها, حتى وإن لم تعتبره سببا من الأساس, فهو فى النهاية سبب . . . فهل تنتهى علاقاتنا إذا بزوال ذلك السبب ؟ حتى وإن لم تنتهى بعامل العشرة, تجدها قد تبدأ بالفتور شيئا شيئا إلى أن يأتى ذلك اليوم الذى فيه ستنتهى, وربما ستجد أنها كان يجب عليها ان تنتهى منذ زمن, ولكن كان هناك دائما أحد الطرفين الذى يحاول على إبقائها حية لأطول فترة ممكنة, ولكنه لم يكن ليتمكن من الاستمرار إلى الأبد, فحتما كان سياتى عليه اليوم الذى يتوقف فيه عن المحاولة ويفصل عن تلك العلاقة جهاز التنفس, ويعلن وفاتها رسميا.


أذكر فى أحد الأوقات ان قال لى احد الأصدقاء ان ما يجذبه فى المرأة هو قوتها, ولكنها بمجرد أن تحبه تكون قد .استسلمت له وفقدت جزءا من قوتها, فيختفى حينها ما كان يشده إليها, فيقرر أن يتوقف
 ربما أكون قد سخرت من تلك الفكرة حينها, ولكننى بدأت اعيها جيدا الآن, فكثيرا من علاقاتنا مع الآخرين قد تنتهى بمجرد اختفاء ذلك المسبب الذى كان هو سر بدايتها من الأساس, وتلك التى تستمر إما أنها لا تزال محتفظة به, أو أنها قد وجدت شيئا آخر أكثر قوة وفاعلية من أجل تلك العلاقة ان تستمر.


وهذا ما يدفعنى إلى التساؤل عن الذكريات, فهل نحن إذا من نختلقها لنجعل بيننا ذلك الرابط الذى يدفعنا لأن نستمر ؟ هل هى مجرد وهم يجعلنا نتعلق بالأشخاص من حولنا مما يجعل إنهاء علاقاتنا بالآخرين شيئا أصعب مما يبدو عليه فى الحقيقة ؟ حتى إننا قد نضطر إلى خلق ذكرياتنا مع الأماكن ومع الأغانى, وبمجرد انتهاء علاقاتنا مع الأشخاص, تنتهى علاقاتنا بتلك الاماكن بل وقد نكرهها أحيانا, فقط لأنها تذكرنا مما كنا عليه قبلا.


لماذا نفعل كل ذلك إذا, لما نسعى دائما إلى خلق روابط لا أساس لها من الصحة فقط لنشعر بالندم والحزن والأسى . . . لما نسعى إلى اختلاق الذكريات, ونسعى جاهدين لتذكرها, بل ونعمل على الاحتفاظ بما يساعد على استعادة تذكرها . . . لماذا نهوى تعذيب أنفسنا بما لا تستحق, فنضيع عليها فرصا تستحقها.


#سلمى_عبدالوهاب

الخميس، 14 نوفمبر 2013

30 دقيقة !

" 10 دقايق واكون عندك, سلام. "

يغلق معه الهاتف, ويضحك فى داخله, فقد كان يعى جيدا أن تلك العشر دقائق لن تكون أقل من نصف ساعة, خاصةً وأن اليوم هو الخميس, ولولا أن سيارته تعطلت باكرا ذلك الصباح لم يكن لينتظره ليمر عليه ويأخذه, ولكن ما باليد حيلة, فاليوم هو المُتَنَفَّس الوحيد لديه ولما تبقى من أصدقائه للقاء, والهروب من ضغوط العمل التى تلاحقهم عند كل صباح.


وقف فى انتظاره عند بوابة النادى, وبينما كان يضع هاتفه داخل جيبه, فإذا بطفل صغير يصطدم بإحدى ساقيه وهو يركض خلف أخيه يحاول أن يسبقه, فإذا بوالدتهما تلتفت خلفها وتوبخهما, ثم تنظر إلى صاحبنا وتقدم اعتذارها, وتطلب من ولدها أن يعتذر منه, فينظر إليه بعينين تملؤهما الشقاوة وابتسامة بريئة, فينظر إليها قائلا " ولا يهمك . . . "

بنبرةٍ حادة تأمرهما بالمشى خلفها فى هدوء, بينما كان لا يزال يتابع الطفلين فيسمع أحدهما وهو يقول "أنا اللى هاركب قدام, مليش دعوة"
فيضحك بصوتٍ عالٍ متذكرا حين كان يتشاجر مع أخيه حول الجلوس على مقعد السيارة الأمامى. كم يشتاق إلى تلك الأيام, وكم كان يشتاق إلى أخيه, فها قد مرت حوالى ثمانى سنوات منذ قرر أن يسافر للعمل بإحدى دول الخليج العربى, خلالها لم ينزل إلى مصر سوى بضع مرات نكاد لا نراه فيها, فهو كان يأتى إما للعمل أو للانتهاء من بعض الأوراق التى سيحتاج إليها هناك, حتى أصبح الأمر وكأننا لم نعد أكثر من مجرد محطة عابرة فى حياته, وأنه ربما لولا والدتنا لما كان ليزورنا أبدا.


فجأة تلفت انتباهه فتاة صغيرة, تبدو فى السادسة من عمرها, ترتدى فستانا ورديا قصيرا, تركض وتلف فى دوائر حول ساقىّ والدتها, فأخذ يراقبها فى شغف والابتسامة تعلو وجهه, فإذا بها تنتبه له, فتشعر بالخجل منه, وتبدأ فى أن تتوارى خلف والدتها, بينما كانت تختلس النظر إليه فى براءة تامة.
فينظر إليها ويقول فى سره " كم تشبهينها حين كانت فى مثل سنك, أكاد أتذكر اول يوم أصطحبها فيه إلى المدرسة وهى سعيدة بأن أخاها هو من أوصلها, وهو من سيأتى ليأخذها, وها هى الآن قد كبرت والتحقت بالجامعة, وقد صارت شابة جميلة يافعة, حقا لا أصدق كيف يمر الوقت بسرعةٍ هكذا ؟


" أيوة خلاص أنا مروح أهو, مفيش حاجة عايزانى أجيبها وانا جاى ؟ طب شوفى الولاد لو عايزين حاجة . . . "

يلتفت إلى ذلك الرجل الذى كان يتحدث إلى جواره, ويمعن النظر فيه قليلا, يبدو كهلا فى الخمسين من عمره, تظهر على وجهه علامات التعب والإرهاق جرَّاء العمل طوال اليوم. كان يُذَكِّره كثيرا بوالده - رحمة الله عليه - فقد كان كثير العمل, يكد ويتعب من أجلهم, وكم تحمل وبذل من عمره من أجل السهر على راحتهم. كم نفتقد وجودك معنا الآن, فبدونك لم تعد الحياة كما هى, لم تعد أمى كما هى, فدائما ما نشعر بأن هناك شيئا ينقصنا, فكم شقَّ علينا غيابك يا أَبَتى.



يتنهد تنهدة مطولة, ومن ثَمَّ ينظر إلى ساعته, ثم يشيح بوجهه نحو البوابة, يشاهد الناس من حوله, يلمح تلك الفتاة التى تقف من بعيد تلوح بيدها لذلك الشاب الذى كان يقف على مقربة منه, تنظر إليه بتلك الطريقة التى كان يستطيع من خلالها أن يعلم أنها مغرمة به, فقد كانت تشبه نظراتها, قبل أن يقرر القدر أن يفرق بينهما. كان يحبها, وكان على وشك أن يتقدم ليطلب الزواج منها حتى بدأ كل شئ فى الانهيار, فعلاقتهما لم تكن وحدها تكفى, فظروف الحياة كانت أقوى منهما حينئذ, حتى إنه قد فكر كثيرا وقتها فى السفر للعمل بالخارج, ولكنه لم يرد أن يترك أمه وأخته وحدهما, فقرر أن يبقى.
وها هو الآن يعمل بإحدى الشركات الكبرى ويحصل على راتب معقول, يُمكِّنُه  من عيش حياة طبيعية, ولكن أين هو الآن منها ؟ فحياته كلها يقضيها بالعمل, حتى إنه لا يجد وقتا يقضيه مع والدته, فلا يذهب للبيت إلا ليرتاح وينام قليلا استعدادا لليوم التالى, ولم يبق له سوى ما تبقى لهم من يوم الخميس ليلتقى بأصدقائه الذيم لم ينخرطوا بعد فى حياة الزوجية.


فجأة يجد كثيرا من الناس مجتمعين حوله, فينظر خلفه ليجد أن النادى قد بدأ فى إغلاق أبوابه. ويرى مجموعة من الناس بمختلف أعمارهم يبدون كعائلة واحدة, فيتطرق إلى ذهنه كم اعتادوا جميعا أن يجتمع أبوه بأعمامه وأولادهم فى النادى, حتى توفى والدى ومنذ ذلك الحين أخذت اجتماعاتنا تقل شيئا فشيئا لتقتصر على بعض المناسبات فقط لا غير. 


تنطفئ الأضواء, ويفكر فى أن يأتى يوما ويدخل, لعله يستعيد بعضا من ذكرياته المخبأة بين جدرانه, أكاد لا أتذكر متى كانت آخر مرة زرت فيها النادى منذ أن كنت آتى أنا وبعض أصدقائى للمذاكرة, فهل أقترح عليهم ذات مرة ان نلتقى هناك, أم أصطحب أختى معى ونتكلم سويا كما اعتدنا دائما, أم أنتظر حتى يأتى أخى وأصطحب أولاده الصغار إلى هناك. إلى متى سأظل هكذا, فها انا الآن وقد قاربت على الثلاثين من عمرى, ولا أزال فى مكانى منتظرا . . .


يرن جرس الهاتف, فيرد ليجد صديقه : -انا وصلت, انت فين ؟
                                                -أيوة خلاص شفتك. 

يمشى باتجاه السيارة, وما إن يركب ويغلق الباب, فإذا بصديقه ضاحكا :

- مش تقوللى مبروك
-مبروك يا سيدى, بس على إيه ؟
-أخيرا أبوها وافق, وحددنا معاد الخطوبة.



                                                                                                     
                                                                                                                         -تمت-
                                                                                                               -سلمى عبدالوهاب-

الخميس، 24 أكتوبر 2013

رسالة أخيرة

حبيبتى,
أكتب إليكِ تلك الرسالة وأنا لا تفصلنى سوى بضع ساعات وأرحل عن أرض الوطن . . .

سأرحل وأنا لا أعلم إن كان رحيلى هذا بحثا عن فرصةٍ جديدة, أم أنه فرصة لأهرب بعيدا . . .

سأرحل, أما قلبى فباقٍ, ولا أدرى إن كنت سأستطيع البقاء طويلا دون رؤية وجهك . . . ذلك الوجه الذى كان دائما ما يحيل حياتى نورا بمجرد أن أنظر إليه . . . هاتين العينين اللتين كانا يشعان بريقا فى الفرح والبكاء . . . وتلك الوجنتين اللتين يحمران خجلا كلما قلت فيكِ شعرا . . . وتلك الشفاه حين تتحدثين يجعلان لكل شئٍ فى الحياة معنى . . . 

سأرحل, ولكن قبل ذلك يجب علىَّ أن أقدم لكِ اعترافا, لم أعترف به لنفسى قبل أن أخط تلك الكلمات, فلم أكن حقا أعرف, فقد كنتُ وما زلت أحبك . . . نعم, أحبك, رغم كل تلك السنين . . . أقولها لكِ الآن, ولأول مرة, أحبك . . . فقد كنتِ دوما أنتِ من ألجأ إليه, ولم أكن يوما لأرتاح سوى معك, كنت أنت من تفهميننى, وتحملين عنى أسرارى, كنت من يبادر بالوجود, فى نفس الوقت الذى كنت أبحث فيه عنكِ فى أُخرى . . . فَيَوم شعرت بأنك لن تكونى لى, لم أتحمل فكرة خسارتك, فآثرت على الاحتفاظ بك معى, وعملت جاهدا كى أجد مثيلتك, وكم كنت أحمقا حين ظننت يوما بأننى سأعثر على من تضاهيك فى كل شئ, فسامحينى حين خُنتك, واعذرى حماقتى, فأنا لم أخنك إلا لأكون معكِ . . .

سأرحل, دون أن أودعك, فكم أكره لحظات الوداع . . . ولكننى كنت أتمنى أن أرى وجهك لمرةٍ أخيرة قبل الرحيل . . . أن أراك تبتسمين, فيبتسم قلبى . . . أن أسمع صوتك فتستكين روحى . . . أن أحمل يديك بين يدىَّ وأمنح لنفسى فرصة أخيرا بأن أحلم ان تكونى هَدِيَتى . . . سأحلم بأن أعود فتصبحين أميرتى . . . لذلك أكتب لكِ, حتى لا أفقد الأمل الأخير الذى قد يكون يوما سببا لعودتى . . .

سأرحل إذن, وأريدك أن تعلمى أننى ما كنت لأرحل إلا لأننى أحبك.





                                                                                                  -سلمى عبدالوهاب-

الجمعة، 9 أغسطس 2013

بعد بكرة

فجأة تلاقى عمرك بيخلص
تتعب 
تبص عالوقت اللى فات


تشوف مين لساه مكمل
مين اللى فارقك 
ومين اللى مات


تحسب سنين الوقت اللى عدَّى
وتفتكر ساعتها كل الحاجات
اللى كان نفسك ف يوم تحققها
بس راحت من سكات


وغيرها مكنتش عامل حسابها
والباقى صفحة فى ذكريات


فتتنهد وتسكت شوية
وتسأل تدور على إجابات
ل "ليه" و"امتى" و"مش بس لو"
وناسى إن بكرة بعده آت



                                                             -سلمى عبدالوهاب-

المتابعون